مفتاح نحاس
صوت أمي بدأ يترعش، والشرارة اللي في عينها انطفت فجأة لتحل محلها انكسار حقيقي: «شريف.. أنا أمك.. أنا كنت خايفة البنت تتأخذ مننا لو أنت اتجوزت تاني.. العيلة دي هي كل اللي فاضلي..»
«أنتِ دمرتي كلمة أمك دي النهاردة،» قلتها بصوت هادي وقاسي جداً. «الباسبور معايا، والأوراق معايا، والتذاكر دي هتروح للنيابة كدليل على محاولة خطف قاصر.»
الأستاذ فاروق اتدخل بسرعة وهو بيترعش: «خطف إيه يا شريف! دي جدتها، صلوا على النبي يا جماعة الموضيع دي متتوصلش للنيابة!»
بصيت لأمي في عينها وركزت في كلامي:
«مش هعمل بلاغ يا أستاذ فاروق.. مش عشان خاطرها، عشان خاطر فريدة متكبرش وتعرف إن جدتها كانت عاوزة تسرقها وتخطفها من أبوها. بس بشرط واحد.»
أمي بصتلي وهي مستنية الحكم.
«أنتِ مش هتعطبي عتبة بيتي تاني يا أمي. مش هتشوفي فريدة غير بأمر مني وفي وجودي، ومش هتحطي إيدك على ريال واحد من اللي سابهولنا زمان ولا اللي سابته نور. من النهاردة.. أنتِ بالنسبة لفريدة مجرد اسم في شهادة الميلاد، لحد ما تتعالجي من الطمع والمرض اللي جواكي ده.»
أمي سكتت، نزلت رأسها للأرض وما قدرتوش تنطق بكلمة واحدة. أخدت أوراقي ومشيت، سبتها واقفة في مكتب المحامي زي التماثيل الشمع.
رجعت البيت. أول ما فتحت الباب، فريدة جرت عليا وحضنت رجلي وهي بتعيط: «بابا.. انت زعلان مني؟ تيتا جاية تأخذني؟»
نزلت لمستواها، شيلتها بين إيديا وحطيت رأسها على كتفي، وشميت ريحة شعرها اللي بتفكرني بنور.
«مفيش حد يقدر يأخذك مني يا فريدة.. مفيش حد في الدنيا دي كلها يقدر يبعدك عن أحضان بابا. وتيتا مش جاية هنا تاني.»
فريدة بصتلي بعيونها البريئة وهي بتمسح دموعها: «يعني مش هخبي أسرار تاني؟»
ابتسمت من وسط وجع قلبي وقلتلها: «ولا سر واحد يا قلب بابا. من النهاردة مفيش بيننا غير الصراحة.. يلا بينا نعمل التوست ونقطع المربعات الصغيرة زي ما ماما كانت بتحب.»
في الليلة دي، قعدت في الصالة وبصيت لصورة نور اللي على الحيطة. حسيت إني أخيراً وفيت بعهدي ليها، وحميت بنتنا من الدائرة الخبيثة اللي كانت هتتلف حوالين رقبتها. المفتاح النحاس الصغير اللي كان في إيد فريدة، مكنش مجرد مفتاح لدرج المكتب.. ده كان المفتاح اللي فتح عيني على الحقيقة، ونقذ بنتي من مستنقع كذب كان هيعيشها طول عمرها في خوف.