البيض المدفون
الجزء الثاني والأخير: صراع الأنفاس الأخيرة وثمن الحقيقة
صرخة مكتومة ومدوية شقت صمت الصالة؛ كان صوت طارق وهو يتلوى من شدة ألم العضة التي انغرزت فيها أسناني كالمقصلة في معصمه. اختلط طعم دمه المالح بفمي، لكن الغريزة التي تملكتني في تلك اللحظة لم تكن غريزة بشرية عادية، بل كانت صرخة بقاء مجنونة تجري في عروقي.
لم أترك معصمه، بل زدت من ضغط أسناني وأنا أدفع بكتفي بكل قوتي في صدره. تراجع خطوة إلى الخلف، واختل توازنه برهة، وانطلقت من المس/دس رصاصة كاتمة للصوت أحدثت خريراً مكتوماً: “پــف!” وارتطمت بالرخام تحت قدمي، فتطايرت منه ترظة ناعمة وحارة لسبت ساقي.
في تلك اللحظة بالذات، خرجت نجلاء من المطبخ كالكلب المسعور، وفي يدها سكين المطبخ العريض الذي كنت أقطع به السلك الصباح. صرخت بنبرة حادة وهي تهجم نحوي:
— “سيبيه يا بنت الكلـب!! والله لأذبحك هنا!”
قبل أن تصل إليّ، رفعت قدمي بكل ما أوتيت من قوة وضربتها في بطنها. تراجعت نجلاء إلى الخلف وسقطت على رف الكنسول الخشبي، لتتهاوى معه الفازات والتحف الزجاجية متناثرة على الرخام بصوت تهشم مرعب.
استغليت الضجة والارتباك، وضغطت على إبهام طارق بقوة حتى أفلت الم/سدس وسقط على الأرض، يتدردب نحو زاوية المدخل. لم أفكر مرتين؛ لم أكن لألتقط المس/دس لأني لا أعرف كيف أستخدمه، بل دفعت طارق بكل قوتي نحو زوجته التي كانت تحاول النهوض، ليرتطم الجسدان الثقيلان ببعضهما في كتلة واحدة فوق الزجاج المكسور.
انطلقت كالسهم نحو باب الشقة الرئيسي. كانت يداي ترتجفان وهي تصارع الترباس والمفتاح الملتوي في القفل. سمعت صوت طارق وهو يستعيد أنفاسه بصعوبة ويزأر من الخلف:
— “اقفلي الباب يا نجلاء!! ما تخليهاش تطلع للشارع!!”
تكتكت المقابض، وأخيراً انفتح الباب! قفزت إلى الخارج نحو مدخل العمارة، وأنا أصرخ بأعلى صوتي بكل ما أوتيت من قوة في أحبالي الصوتية:
— “الحقوووووني!! حرامية!! قت/الة ق/تلة!! الحقوني يا ناس!!”
كان الوقت لا يزال مبكراً، خيوط الشمس الأولى تصارع العتمة، والصوت ارتد في مناحي العمارة والشارع الصامت. لم أركض نحو الشارع العام، بل ركضت نحو شقة الجار المقابل في الدور الأرضي، وعصرت جرس الباب بإبهامي وأنا أضرب على الخشب بقبضتي وجسدي كله يرتجف:
— “افتح يا أستاذ عصام!! الحقني يا أستاذ عصام!! هيقت/لوني!”
سمعت حركة سريعة بالداخل، وفي نفس اللحظة، خرج طارق من باب شقتي والدم يقطر من معصمه، وعينه البيضاء الميتة تتوهج بشر مطلق، وبيده المس/دس يسحبه خلف ظهره ليخفيه. وقف على باب الشقة وقال بصوت عالٍ ومصطنع ليوهم أي جار يطل:
— “اهدئي يا أستاذة ياسمين! استهدي بالله.. أنتِ جالِك حالة هياج ونوبة عصبيّة فجأة! تعالي ادخلي ونادي الدكتور!”
— “يا كذاب يا مجرم!” صرخت وأنا أبتعد عنه وأسند ظهري إلى جدار السلم، “عم منصور تحت البلاط!! دفنتوا عم منصور ورجالته حي!! الكاميرا سجلت كل حاجة والشرطة زمانها جاية!”
حين ذكرت كلمة “الشرطة”، تغيرت ملامح طارق تماماً. زالت تمثيلية الهدوء، وانكشف الوجه الحقيقي للوحش. أومأ لنجلاء التي خرجت خلفه وفي يدها قطعة قماش تحاول بها كتم الدم النازف من جبهتها جراء الارتطام.
لكن قبل أن يتخذا أي خطوة نحوي، انفتح باب شقة الأستاذ عصام فجأة. خرج وهو يرتدي روب النوم، وبيده عصا غليظة، وخلفه زوجته المفزوعة:
— “في إيه يا ياسمين يا بنتي؟! إيه الصريخ ده؟ مين دول؟!”
اشتد موقف طارق حرجاً. استغللت تشتت انتباهه لثوانٍ، وجريت خلف الأستاذ عصام وأنا ألهث وأمسك بكتفه:
— “أتصل بالشرطة حالاً يا أستاذ عصام! الناس دول حبسين عم منصور صاحب البيت تحت الشقة وبيق/تلوه! ومعاهم س/لاح!”
ساد الذهول وجه الأستاذ عصام، وبحس الجار المصري الأصيل، رفع عصاه في وجه طارق قائلاً بصرامة:
— “س/لاح إيه وكلام فارغ إيه؟! أنت مين يا جدع أنت وهو؟! وداخلين شقة البنت ازاي في الوقت ده؟!”
تراجع طارق خطوة إلى الخلف، وأدرك أن اللعبة قد انتهت، وأن المخطط المحكم الذي أعداه لشهور قد انفرطت عقوده في دقائق معدودة بسبب بيضة وكاميرا مراقبة وفتاة رفضت أن تستسلم للخوف.
اللتفت طارق إلى نجلاء وقال بنبرة حادة ومهزومة:
— “يلا يا نجلاء.. على العربية فوراً!”
ركضا الاثنين باتجاه الباب الخلفي المؤدي للجنينة والشارع الجانبي، حيث كانت سيارتهما النقل الصغيرة ورجال المقاولات ينتظرون. لم ننتظر؛ سحبني الأستاذ عصام إلى داخل شقته وأغلق الباب بالترباس، وضغط بأصابع ترتجف على أرقام نجدة الشرطة:
— “ألو.. النجدة؟! الحقونا! حادثة خ/طف وق/تل في شارع… الدور الأرضي!”
خلال أقل من عشر دقائق، كانت الشارع يضج بأصوات سرينات سيارات الشرطة والإسعاف التي ملأت المكان بالضوء الأحمر والأزرق الدوار. اقتحمت قوات التدخل السريع الشقة والجنينة، لكن طارق ونجلاء كانا قد فرّا عبر الشارع الجانبي وتركا السيارة النقل والعمال الذين كانوا يستعدون لصب الخرسانة!
تم القبض على العمال فوراً، والذين اتضح أنهم مجرد عمال تراحيل مساكين جلبهم طارق بالأجر اليومي لصب السور والخرسانة، دون أن يعلموا مطلقاً بوجود ج/ثة أو ج/ريمة تحت الأرض!
قاد العزاء والشرطة ورجال الحماية المدنية عملية التفتيش داخل الشقة. وقفتُ عند المدخل، وأنا أرتدي معطفاً ثقيلاً أهدته لي زوجة الأستاذ عصام، وجسدي لا يزال يرتعش وأنا أشاهد رجال الأمن يكسرون البلاطة الكبيرة في زاوية الصالة التي أشرت إليها.
تحت البلاطة، لم يكن هناك مجرد فراغ، بل كان هناك سلم إسمنتي قديم ومهجور يؤدي إلى سرداب سفلي تحت العمارة يعود لبدايات القرن الماضي—وهو سرداب كان عم منصور قد بناه قداماً لتخزين المؤن والمقتنيات الثمينة ولم يكن يعلم بوجوده أحد غيره.
أنزل رجال الحماية المدنية كشافاتهم الضخمة، وبعد دقائق من التوتر الخانق الذي جعل قلبي يدق في حنجرتي، صعد أحد ضباط الحماية المدنية وهو يصيح:
— “يا فندم! الراجل العجوز لسه عايش!! نبضه ضعيف جداً بس ينبض! هاتوا النقالة والأكسجين فوراً!”
انهمرت الدموع من عيني بكاءً هستيرياً، كان بكاء الفرج والارتياح. طلعوا عم منصور—الرجل الطيب الذي طالما عاملني كابنته بعد وفاة والدي—كان وجهه شاحباً كالرماد، وجسده الهزيل ملفوفاً بسلاسل حديدية، لكنه كان يتنفس!
قبل أن تنقله سيارة الإسعاف، فتح عينيه المجهدتين ببطء، ونظر إليّ وأنا أقترب منه، وزم شفتيه ليقول بصوت خافت كالهمس:
— “ياسمين يا بنتي.. الحمد لله.. ربنا جابك نجدة ليا.. السحر.. السحر كان عشان يغطوا على صوت الحفر…”
في مركز الشرطة، وعلى مدار ساعات طويلة من التحقيقات المكثفة مع النيابة العامة، بدأت الخيوط المتشابكة تتكشف شيئاً فشيئاً، ليظهر المخطط الإجرامي الخبيث الذي أعده “طارق الديب” وزوجته “نجلاء”.
اتضح أن طارق الديب ليس مجرد جار عادي، بل هو مسجل خطر وهرّاب آثار وله سوابق في النصب والتزوير. كان قد علم من مصادر قديمة أن عم منصور يملك وثائق ومستندات ملكية لأراضٍ واضحة وذهب قديم مخبأ في هذا السرداب، بالإضافة إلى أن الشقة والجنينة مقامة على قطعة أرض أثرية ذات قيمة باهظة.
استأجر طارق البيت المائل للجنينة باسم مستعار وبتزوير كامل. ولأن عم منصور كان يرفض بيع الأرض أو التنازل عنها، قام طارق ونجلاء بتنويمه ومباغتته قبل ثلاثة أسابيع، وسحبه إلى السرداب السفلي وتكبيله هناك، مع الاستيلاء على مفاتيحه وهاتفه وإيهام السكان والمقربين أنه سافر إلى الصعيد في زيارة عائلية مفاجئة!
أما قصة “البيض النيء” والأعمال والشعوذة.. فقد كانت اللعبة الأكثر دهاءً وشيطانية من نجلاء!
كشفت تحريات المباحث وتفريغ كاميرا المراقبة وكاميرات الشارع أن نجلاء لاحظت بذكائها الإجرامي أنني بدأت أشك في تحركاتها المبكرة. ولأنهم كانوا بحاجة إلى التخلص من السور القديم لصب بلاطة خرسانية ضخمة فوق فتحة السرداب التي تمتد جزئياً تحت حدود الجنينة، أرادت نجلاء أن تشغل عقلي وتستنزف تفكيري في خوف وهمي من “السحر والأعمال”!
كانت تعلم أن أي امرأة تعيش بمفردها ستصاب بالذعر والذهول إذا رأت جارتها تدفن أشياء غريبة كل فجر. أرادت أن تصيبني بالحيرة والهلع حتى أبتعد عن مكان الحفر ولا أركز في الأصوات أو حركة العمال، بل وأكثر من ذلك: أرادت إيجاد برود وتبرير نفسي لأي روائح كريهة قد تخرج من الأرض أثناء الحفر والردم!
وعندما اكتشفت الكاميرا المخفية في شجرة الليمون—حيث كان طارق يمسح الجنينة بأجهزة كشف الكاميرات اللاسلكية ليلاً—قررت نجلاء أن تلعب مشهداً تمثيلياً مرعباً يحطم أعصابي تماماً ويجعلني أغلق على نفسي الباب وأصاب بالجنون!
القماش المقتطع من بيجامتي، وخصلة الشعر، والسائل الأسود داخل البيضة (الذي كان مجرد صبغة سوداء ومواد كيميائية كريهة حششت بها البيضة وفرغتها بالإبرة).. كل ذلك كان سيناريو مرسوم بدقة لإرهابي ونقلي إلى حالة من الشلل النفسي حتى يتموا صب الخرسانة في ذلك اليوم بالذات ويدفنوا عم منصور ومقتنياته وينتقلا إلى مكان آخر لل أبد!
لكن ما لم تحسب له نجلاء وحساب زوجها حساباً، هو أن الخوف الشديد حين يتجاوز حده، يتحول إلى شجاعة غير متوقعة. لم أغلق على نفسي الباب كما تمنت، بل نزلتُ إلى الجنينة ونبشتُ الأرض بنفسي واستخرجت الأدلة الدامغة التي كشفت كل شيء!
بعد أسبوعين من الحادثة..
كانت الشمس المشرقة تملأ جنينتي الصغيرة، أريج أزهار الفل والياسمين ينبعث من الأحواض الجديدة التي زرعتها. السور القديم أزيل بالكامل، وبُني مكانه سور جديد جميل، لكن هذه المرة تحت إشراف مهندسين ورجال أمن رسميين.
كنت أجلس على المقعد الخشبي تحت شجرة الليمون نفسها، وأرتشف كوباً من الشاي الساخن. بالقرب مني، كان عم منصور يجلس على كرسيه المتحرك، ملفوفاً بغطاء دافئ، وعلى وجهه ابتسامة استعادت بعضاً من حيوية الماضي، بعد أن تعافى بفضل الرعاية الطبية الفائقة.
نظرت إليّ عم منصور بعينين ملؤهما الامتنان والأبوة وقال:
— “تعرفي يا ياسمين يا بنتي.. في السرداب تحت، لما كنت بسمع خبط الهيلتي والدب في الأرض، كنت بدعي ربنا وأقول: يا رب ما تجعلش نهايتي على إيدين الشياطين دول.. وسبحان من جعل البيضة اللي كانت فاكراها نجلاء نهايتك، تكون هي سبب نجاتي وسبب كشفهم!”
ابتسمتُ وقلت وأنا أنظر إلى فروع شجرة الليمون:
— “الشر يا عم منصور دايماً بيسيب وراه خيط، ومهما كان المجرم ذكي وبيخطط، ربنا بيعمي بصيرته في نقطة صغيرة. هي كانت فاكرة إنها بترعبني بالبيضة والسائل الأسود، وما عرفتش إنها بالعملية دي أدتني الدليل اللي خلاني أحفر وأطلع الحقيقة.”
في ذلك الصباح، جاءني اتصال هاتفي من رئيس نيابة الحوادث ليبلغني بالخبر الذي كنت أنتظره:
تم أخيراً إلقاء القبض على “طارق الديب” وزوجته “نجلاء” في إحدى المحافظات الساحلية أثناء محاولتهما التسلل خارج البلاد باستخدام جوازات سفر مزورة، وتمت إحالتهما إلى محكمة الجنايات بتهم الشروع في الق/تل، والخ/طف، والتزوير، والتنقيب غير المشروع، والإضرار العمدي.
أغلقتُ الهاتف، وتنفستُ الصعداء برئة ملؤها الهواء النقي.
نظرتُ إلى الأرض التي كانت قبل أيام قليلة مسرحاً للرعب والغموض، فرأيتها الآن هادئة ومباركة. تعلمتُ من تلك التجربة القاسية أن الخوف لا يحمي أحداً، وأن المواجهة بالعقل والشجاعة هي الس/لاح الوحيد الذي يستطيع أن يكسر ظلام الج/ريمة، مهما كانت حيل المجرمين وشياطينهم!