سفرية شغل… مشيره محمد
رجعت من سفرية شغل قعدت 48 ساعة، لقيت ابني الرضيع بيصرخ صريخ يقطع القلب، ومراتي مغمى عليها ومرمية على أرض المطبخ… وأمي قاعدة على السفرة بكل برود بتاكل غداها وبتقول عليها “بتمثل وعايزة لقطة”!
صوت صريخ الواد خبط في ودني قبل ما أفتح باب الشقة أصلاً، وفي اللحظة دي بالذات، كل عذر خلقته لأمي في حياتي مات وانتهى.
ده ما كانش صريخ زقزقة بتاع عيل جعان، ولا عياط واد مأريف عايز يغير الحفاضة… ده كان صريخ حاد ويقطع القلب، صوت مرعب طالع من حتة جوه قوي، كسر هدوء البيت الشيك ودخل شق صدري. أنا سمعت “نوح” وهو بيعيط قبل كده، هو لسه عنده 6 أسابيع، والعياط هو لسه لغته الوحيدة تقريباً.
بس المرة دي كانت غير. ده كان رعب، كان هلكان، كان جسم صغنن بيستغيث لأن الدنيا وسعت عليه قوي وما فيش مخلوق بيرد عليه.
إيدي فرطت من المفتاح.
أنا غبت 48 ساعة بس.
يومين بالعدد.
دي كانت أول سفرية شغل ليا من ساعة ما مراتي “نور” ولدت، وطول الساعات دي وأنا مش على بعضي وقلبي واكلني. ما كنتش عايز أسيبها خالص، لسه قايمة من ولادة قيصرية صعبة ومفاجأة، أخدت من صحتها وعافيتها أكتر بكتير من اللي كنا متوقعينه. كانت ساعات تقوم الصبح تتمشى في الشقة وهي سانده بإيدها براحة على بطنها، وشها مخطوف بس عافر، وبتبين إنها زي الفل عشان هي من نوع الستات اللي بتتحرج تطلب الراحة أو تبان تعبانة.
كان المفروض عقلي يبقى في راسي وما أسيبهاش.
بس أمي “فاطمة” هي اللي صممت وأصرت.
وقفت وقتها في المطبخ بلبسها الشيك، وحلق اللولي، وضحكتها الواثقة اللي بتخدع الناس بيها من سنين وقالت لي: “سافر إنت وشوف شغلك يا محمود، أنا هقعد معاها. نور محتاجة ست خبيرة في البيت تفهم في الأصول، مش جوز ملهوف وموسوس واقف فوق دماغها”.
فاكر إني بصيت لنور ساعتها، كانت قاعدة على تربيزة الفطار، واخدة نوح في حضنها ومقعداه على كتفها، وشعرها ملموم كعكة منكوشة، والمسواد تحت عينيها يزعل. ابتسمت بضعف وقالت لي: “سافر يا محمود متقلقش، طالما طنط عايزة تساعدني هبقى كويسة”.
أنا بقى كان نفسي أصدق ده.
ربنا يسامحني، كان نفسي أصدق.
#روايات #مشيره_محمد
رغم إن عندي 34 سنة، ومعايا ماجستير حقوق، ومحامي شاطر وناجح في القضايا، وعندي زوجة وابن رضيع، وشقة ملكي ومكتوبة باسمي لوحدي… بس كان لسه جوايا حتة من الواد الصغير اللي واقف في مطبخ أمه، بيسمع الكلام وبيقول حاضر على أمل إنها تحن عليه في يوم من الأيام.