القبر السرى
قصة أصحاب الرس وعذابهم.
قصةُ قومٍ ذُكروا في القرآن الكريم، واختلف المؤرخون في تحديد هويتهم، وعدَّهم الله عز وجل في القرآن الكريم من الأقوام الذين حقَّ عليهم عذابُ الله تعالى وبلاؤه وغضبه، لقتلهم نبيَّهم عليه السلام، فمن هم أصحابُ الرس؟ وما قصتُهم؟
إنهم قومٌ كانوا يعبدون شجرةَ صنوبر، قيل: كان “يافث بن نوح عليه السلام” قد غرسها، وكانت لهم اثنتا عشرة قريةً على شاطئ نهرٍ يُقال له “نهر الرس” من بلاد المشرق، ولم يكن يومئذٍ في الأرض كلها نهرٌ أغزرَ منه ولا أعذب، وليس فيها قرًى أكثر ولا أعمر منها.
وكانت شجرةُ الصنوبر هذه في أعظم مدينةٍ لهم، وهي التي ينزل فيها ويسكن فيها ملكُهم، وقد غرسوا في كل قريةٍ حبَّةً من الصنوبر، وأجروا إليها نهرًا من العين التي عند الصنوبرة الأساسية، فنبتت الحبَّة وصارت شجرةً عظيمة، وحرَّموا ماءَ العين والأنهار، فمنعوا الناس والأنعام أن يشربوا منها، ومن فعل ذلك قتلوه، ويقولون: هو حياةُ آلهتنا، فلا ينبغي لأحدٍ أن ينقص من حياتها.
ويشربون هم وأنعامهم من “نهر الرس” الذي عليه قراهم، وقد جعلوا في كل شهرٍ من السنة في كل قريةٍ عيدًا، يجتمع فيه أهلها، فيضربون على الشجرة، ثم يأتون بشاةٍ وبقرٍ فيذبحونها قربانًا للشجرة، ويُشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا صعد دخانُ تلك الذبائح في الهواء، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء، خرُّوا سُجَّدًا يبكون ويتضرعون إلى الشجرة أن ترضى عنهم.
قيل: كان الشيطان يجيء فيحرِّك أغصانها، ويصيح من ساقها صياحَ الصبي:
أن قد رضيتُ عنكم عبادي، فطيبوا نفسًا وقرُّوا عينًا.
فيرفعون رؤوسهم عند ذلك، ويشربون الخمر، ويضربون المعازف، فيكونون على ذلك طولَ يومهم وليلتهم، ثم بعدها ينصرفون.
أي أنهم إذا كان عيدُ قريتهم العظمى، اجتمع إليها صغيرُهم وكبيرُهم وملكُهم، فجعلوا عند الصنوبرة الرئيسية والعين اثني عشر بابًا، كلُّ بابٍ لأهل قريةٍ يدخلون منه، ويسجدون للصنوبرة، ويقرِّبون لها الذبائح أضعافَ ما قرَّبوا للشجرة التي في قراهم.
فيجيء “إبليس” عند ذلك، فيحرِّك الصنوبرة تحريكًا شديدًا، ويتكلم من جوفها كلامًا جهوريًّا، ويعدهم الشيطان ويمنِّيهم بأكثر مما وعدتهم الشياطين كلها، فيحرِّكون رؤوسهم وهم سُجودٌ فرحين.
قيل: إنهم يكونون على هذه الحال اثني عشر يومًا بلياليها، بعدد أعيادهم في السنة، ثم بعدها ينصرفون.