كامله.. لمشيره محمد

مشيره محمد

كنت بصارع الموت في أوضة العمليات. الدكتورالمشهور اللي دخل عشان ينقذني طلع هو نفسه الراجل اللي رماني في الشارع تحت المطر والتلج من ٩ شهور—طليقي. زعق فيا بقرف: “أوعي تكوني فاكرة إنك هتتربطي بيا بعيل حرام عشان تفضلي عايشة على قفايا!” كان فاكرني خنته. “الحقنا يا دكتور.. الاثنين بيموتوا مننا!” النبطشية صرخت. بس قبل ما أغمى عليا، هسستله بسر خلّاه يرجع لورا مذهول ومش مصدق نفسه…

​الدكتور ماريو جرجس كان حاطط ابتسامة على وشه كأنه مالك الدنيا وما فيها.

​وهو عنده ٣٥ سنة بس، كان بقى من أشهر جراحي الولادة في البلد كلها. المرضى يقعدوا بالشهور مستنيين دورهم بس عشان اسمه يتكتب في ملفاتهم. المتبرعين بتوع المستشفى يسلموا عليه كأنه ملك. والممرضات يوطوا صوتهم أول ما يلمحوه معدي.

​وماريو كان طاير من الفرحة بكل التفاصيل دي.

​مكتبه في الدور الـ١٢ في مستشفى المرقس العام كان شبه شقة بانتهاوس فخمة أكتر منه مكتب دكتور—أرضيات رخام أبيض، شهادات بإطارات دهب، وكراسي جلد محدش يسترجي يقعد عليها غير لو هو أذنله، وإطلالة على المدينة كلها تخلي أي حد يحس إنه فوق البشر.

​ظبط أكمام بدلته العمولة وبص في ساعته الرولكس اللي بـ٤٠ ألف دولار.

​وفجأة الأنتكوم رن.

​”دكتور ماريو؟” الممرضة قالتها وصوتها بيرعش.

​ماريو كشر.

​كان بيكره حد يعطله.

​”في إيه يا مريم؟”

​”في حالة طوارئ في أوضة الولادة، المريضة عندها مضاعفات خطيرة ومحتاجة تدخل سريع.”

​اتنهد بزهق: “طب نادوا على أي حد من الدكاترة اللي في النبطشية.”

​سكتت لحظة..

​”حضرتك اللي في النبطشية يا دكتور.. والدكتور التاني في العمليات.”

​فكه اتشنج.

​كان مخطط يخلع بدري عشان عنده عزومة خاصة وسط ناس كبار، من النوع اللي بينطقوا اسمه بحب وخوف.

​بس قبل ما يرفض، مريم قالت كلمة خلت الدم يتجمد في عروقه.

​”دكتور… المريضة اسمها مارينا متى.”

​ولأول مرة طول اليوم، ابتسامة ماريو اختفت.

​دي أنا!

​أنا الست اللي رماها في الشارع تحت المطر من تسع شهور.

​الست اللي أمه قالت عليها طماعة وبتاعة مصالح.

​الست اللي اتهمني إني خنته مع راجل تاني.

​الست اللي ما فكرش فيها ولا مرة—أو ده اللي كان بيكدب بيه على نفسه.

​من تسع شهور، كنت واقفة على باب الفيلا ومعايا شنطة هدوم واحدة والدموع مغرقة عيني، وماريو بيبصلي كأني واحدة غريبة. اختار يصدق الصور المتركة اللي أمه رمتها على الترابيزة الرخام، وما صدقنيش أنا.. مراته!

​زأر فيا بقرف: “أوعي تكوني فاكرة إنك هتتربطي بيا بعيل حرام عشان تفضلي عايشة على قفايا!”

​حطيت إيدي على بطني، وأنا ماسكة ملف فيه ورق مالي كنت لسه لقياه—دليل إن أمه نفسها بتسرق ملايين من المستشفى بتاعته.

​”عشان خاطري يا ماريو.. بص بس في الورق ده.. اسمعني!”

​بس ما سمعنيش.

​رمى الملف في وشي.

​ومضى ورق الطلاق.

​وطردني بره حياته.

​ولما اختفيت، أقنع نفسه إنه بكده حمى إمبراطوريته.

​ودلوقتي أنا في المستشفى بتاعته.

​بولد.

​وحاجة جوا بتهمسله بالحقيقة اللي كان أكابر من إنه يسأل عنها.

​جَري ماريو في الممر، والبالطو الأبيض بيطير وراه. الممرضات يتنحوا من طريقه، والدكاترة يسكتوا. الكل عارف وش الغضب بتاعه.

​بس أول ما زق باب أوضة الولادة، كل التكبر ده اتبخر.

​كنت نايمة على السرير، وشي أصفر، برتعش ومغرقانة عرق. شعري ملزق على وشي، وإيديا ماسكة في السور الحديد بتاع السرير بجمود لدرجة إن صوابعي ابيضت.

​ولما شفته، عيني اتملت وجع.

​مش وجع ولادة بس..

​الوجع اللي ما بيسيبوش غير الخيانة.

​”أنت؟” همست.. “أي حد غيرك!”

​ماريو اتسمر في مكانه.

​في اللحظة دي، ما كانش الدكتور المغرور اللي الكل بيبهابه..

​كان مجرد راجل بيبص للست اللي دمرها بيده.

​قربت مريم وادته التقرير الطبي.

​”ضغطها ٨٥ على ٥٠ وبينزل.. نبض الجنين بيبطأ، لازم نتحرك بسرعة!”

​فتح الملف.

​وفجأة عينيه جت على التاريخ.

​ملامحه اتغيرت.

​قرا التاريخ تاني..

​وتالت.

​صوابعه اتشنجت على الملف.

​دورت وشي الناحية التانية والدموع نازلة من غير صوت.

​”ماريو..” همست بالعافية، “ما كنتش عايزاك تعرف بالطريقة دي.”

​الأوضة سكتت خالص..

​والأجهزة بدأت تزمر أسرع.

​مريم بصلته بذهول.

​وماريو بص لبطني.. وبعدين رجع بص للملف.

​تسع شهور.

​بالظبط تسع شهور.

​صوته طلع مخنوق ومكسور:

​”هو العيل ده… مني؟”

​غمضت عيني.

​وبقبل ما ألحق أرد، جهاز النبض الرئيسي طلع صفارة مستمرة ومرعبة.

​صرخت مريم: “الحقنا يا دكتور.. الاثنين بيموتوا مننا!”

​الملف وقع من إيد ماريو.

​وفي الثانية المرعبة دي، أغنى وأبرد وأكتر راجل مغرور في المستشفى استوعب كابوس حقيقي:

​إنه ممكن يخسر الست اللي رماها بنفسه..

​والطفل اللي ما كانش يعرف إن له وجود.

​بس اللي همست بيه في أذنه قبل ما يجروا بيا على العمليات خلّى ماريو يرجع لورا مذهول ومش مصدق نفسه..

​عشان الطفل ما كانش السر الوحيد اللي كنت مخبياه!

#حكايات_مشيره_محمد

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *