قالولها اول مره بس

​الكلمات دي نزلت على جرجس زي السيخ المحمي. فكه اتضغط تاني لحد ما العضلة جنب خده بغت تفرقع. بص لأبانوب نظرة لو كانت بتقت/ل، كان الراجل ده اتمحى من الوجود في ساعتها. جرجس بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع هادي بالعافية وهو بيرد على مارينا:

​«ربنا ما بيزعلش من الملائكة يا مارينا.. ربنا بيحبك وشايف كل حاجة، وهو اللي بعتني ليكي عشان أخدك من هنا. تعالي يا حبيبتي.. متخافيش.»

​مارينا خطت خطوة، وبعدين خطوة ثانية، وفجأة جرت وترمت في حضن جرجس. مسكت في الجاكيت بتاعه بكل قوتها، كأنها بتغرق ومتمسكة بآخر طوق نجاة في الدنيا. جرجس لف ذراعه حولين جسمها الصغير، وحس بجسمها كله بيترعش زي الورقة في الهواء.

​في الوقت ده، صوت سرينات العربيات بتاعة الدعم كان بدأ يتسمع من بعيد. الصوت كان بيقرب بسرعة من شارع “ويلو بيند”، والأضواء الحمرا والزرقا بدأت تعكس على إزاز الشبابيك وعلى المطر اللي كان لسه بينزل بره.

​أول ما عربيات الشرطة والإسعاف وقفت قدام البيت، الشارع كله اتملى حركة. الجيران اللي كانوا مستخبيين ورا الستائر بدأوا يخرجوا على العتبات بتوع بيوتهم، يتهامسوا ويبصوا لبعض بذهول ورعب.

​دخلت الدورية، ومعاهم مسعفة اسمها مريم. مريم كانت ست مسيحية طيبة في أواخر التلاتينات، أول ما دخلت وشافت الموقف، فهمت كل حاجة من غير ما حد يشرح لها. قربت من جرجس ومارينا بشويش، ونزلت هي كمان على ركبتها.

​مريم بصوت دافي زي الأم:

​«يا حبيبتي يا مارينا.. أنا طنط مريم، جاية عشان أطمن عليكي ونروح مكان دافي ونشرب لبن بكاكاو.. إيه رأيك؟»

​مارينا بصت لجرجس الأول، كأنها بتاخد منه الإذن، فجرجس هز رأسه بابتسامة خفيفة وقال لها:

​«روحي مع طنط مريم يا مارينا.. هي طيبة أوي وهتاخد بالها منك، وأنا جاي وراكم على طول مش هسيبك.»

​مارينا سابت جاكيت جرجس بالراحة ومسكت إيد مريم. مريم لففتها ببطانية دافية وشالتها بين ذراعيها وخرجت بيها على عربية الإسعاف.

​في الوقت ده، العساكر كانوا بيقوموا أبانوب من على الأرض. أبانوب كان بيحاول يبان مظلوم وصوته بدأ يعلى وهو بيتكلم مع الظابط الصغير اللي كان مع جرجس:

​«أنتوا فاهمين غلط يا جاد! البنت دي مريضة وتخيلاتها واسعة! أنا عمها ومربيها بعد ما أبوه وأمها اتوفوا في حادثة من سنتين! أنا اللي صرفت عليها وشايل شيلتها! بتصدقوا كلام عيلة عندها سبع سنين وتسيبوني أنا؟»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *