ماتحاوليش
روايات مشيره محمد
الجزء الثاني والاخير
البرد كان بينخر في عظامي، مش بس من مية النيل المثلجة، لكن من الكلام اللي طارق قاله.
بقيت واقفة على أرضية الصيانة اللي تحت الكوبري، المية بتنزل من هدومي، وبصاله ومش قادرة أستوعب. أخويا اللي قضيت خمسة عشر سنة من عمري أخدمه، أشيله وأحطه، وأبكي على شبابه اللي راح على كرسي متحرك.. طلع بيقف! بيتحرك! وبيخطط!
”أنت فاهم أنت بتقول إيه يا طارق؟” صوتي كان بيترعش من الصدمة. “شريف؟ شريف اللي كان بيصحى من قاطع النوم عشان يجيبلي الدوا لما أصدع؟ شريف اللي دخلت أخته بيتنا وعاملتها زي أختي؟”
طارق مسك كتفي بقوة، وعيونه كانت بتلمع في الضلمة بشرار ما شفتوش فيه من سنين:
“شريف ده ابن عبد المجيد القناوي.. فاكرة الاسم ده ولا نسيتيه؟ عبد المجيد اللي حاول يشتري أسهم المينا من أبونا زمان وأبوكِ رفض وطرده من المكتب؟ عبد المجيد مات ومغلول من عيلتنا، وساب عياله -شريف وجيلان- ومربيهم على حاجة واحدة بس.. إنهم ياخدوا التركة دي حتى لو على جثثنا!”
جمصت عيني وأنا بحاول أجمع الخيوط: “طب والكرسي؟ تمثيلية خمسة عشر سنة ليه؟”
طارق ابتسم ابتسامة مكسورة فيها وجع يعلم بيه ربنا:
“يوم الحادثة بتاعة أبونا وأمنا، أنا مكنتش غايب عن الوعي زي ما افتكروا. أنا شفت عربية تانية بتزنق على أبونا لحد ما قلبتنا في الترعة. ولما طلعت من العربية بالكتف والموت، شفت شريف وأبوه واقفين بعيد بيتأكدوا إننا متنا. ساعتها فهمت إن لو عرفوا إني طلعت سليمتين، هيخلصوا عليا. عملت نفسي عاجز، شليت حركتي بنفسي قدام الدكتور، واستحملت كل الوجع وكل نظرات الشفقة من الناس، عشان أقعد في الظل وأراقبهم وهما فاكرين إن العيلة مبقاش فيها راجل يحميها.”
”ولما شريف قرب مني وعمل إنه بيحبني..”
سألته وأنا حاسة إن قلبي بيتفرك.
طارق رد بقسوة: “سابك تقعي في حبه، وعمل النمرة دي كلها عشان يتجوزك ويبقى ليه صفة قانونية في الشركة. وأنا سبته يدخل البيت، عشان كنت مستني اللحظة اللي يظهّر فيها كل ورقه.. والنهاردة، هو افتكر إنه خلص منا إحنا الاتنين ورصيده في البنك هيزيد، والشركة هترجعله بالكامل.”
طارق طلع من جيب الجاكيت الفرو الووتربروف تليفون صغير، زرار، ملوش أي علاقة بالتكنولوجيا الحديثة. فتح شاشة التليفون ووراني حاجة خليت ركبي تخبط في بعضها.