مجرد شك
روايات_مشيره_محمد
روايات_مشيره_محمد
صوت عجل العربية على مدخل البيت المبلول بالمطر رجّعني للواقع مرة واحدة.
سامر رجع.
وجنبي، يزن جسمه اتجمد بالكامل.
ده مكنش مجرد توتر عادي.. ده كان خوف غريق، رعب شل الولد تمامًا.. نوع الرعب اللي المفروض طفل عنده ثمان سنين ما يعرفوش أبدًا.
بصيت له، لقيت نفسه سريع ومتقطع، وعينيه مثبتة على شباك الصالون.. زي مسجون سامع خطوات بتقرب من زنزانته.
وفي اللحظة دي، ضربتني فكرة بقوة وجعت قلبي بجد.. الطفل ده عايش في الخوف ده من زمان قوي، مش من النهاردة ولا من أسبوع، ده من شهور!
”يا خالتو..”
صوت يزن كان يا دوب مسموع: “أرجوكي متقوليلوش.”
مبكتش، حتى النفس مكنتش عارفة آخده.. فيه وجع مبيخليكيش تبكي في ساعتها، بيتلك الأول، يجبرك تبصي له في وشك قبل ما جسمك يستوعب ويطلع رد فعل.
طبقت الجواب بسرعة كنت هقطعه، وخبايته في جيب جاكتتي في نفس اللحظة اللي الباب المصفح اتفتح فيها.
سامر قال بنبرة عادية جداً: “الصيدلية كانت زحمة بشكل ميتصدقش!”
عادية زيادة عن اللزوم..
اتلفتّ له ببطء، المطر كان بينزل من جاكتته، وعينيه بتتحرك في المطبخ.. أنا، يزن، التربيزة.. كان بيحسب كل حاجة، طول عمره بيحسب!
ولثانية ترعب، حسيت إنه عرف.. بس ابتسم بعدها. نفس الابتسامة اللي الكل بيحبها، الابتماسية اللي خلتني اترعش في أول ميعاد بيننا.. أما دلوقتي، فبقت زي ماسك.. ماسك اكتشفت فجأة إني يمكن عمر ما شفت اللي وراه، ويمكن لأنه كان موجود من الأول أساساً.
قال: “كل حاجة تمام هنا؟”
يزن هز راسه على طول قبل ما أنا أرد، بسرعة مبالغ فيها وبطاعة ترعب.. رد فعل طفل اتعلم إزاي يستخبى.
نظرة سامر فضلت معلقة على يزن ثانية أطول من العادي، وبعدين قرب منه ومشى إيده على شعره وقال: “جاهز ترجع البيت يا بطل؟”
”يا بطل”.. الكلمة دي قلبت بطني.
يزن بص لي مرة واحدة بس.. مرة واحدة، استغاثة من غير ولا كلمة.. وفي اللحظة دي أخدت قراري.
قلت بسرعة: “أنا اللي هوصله البيت، أنت سقت تحت المطر بما فيه الكفاية.”
سامر برمش ببطء.. وقفة صغيرة قوي، بس بعد سبع سنين جواز، الست بتتعلم تقرأ سكوت جوزها.. كان شاكك.
بعدين هز كتافه وقال: “زي ما تحبي.” بس عينيه مفارقتش وشي.
الطريق لبيت مريم كان أطول من العادة. يزن كان ملزوق في باب العربية، حاضن شنطته في حضنه كأنها درع بيحميه. وفي كل إشارة، كنت أبص له بطرف عيني، وأحاول أفهم إزاي طفل عنده ثمان سنين يشيل كل الرعب ده لوحده؟ بينما أنا.. الست الكبيرة، الزوجة.. مشفتش حاجة!