الجزء الثانى
لأن البيت اللي كان شاهد على ظلمنا…
بقى شاهد على إن الإنسان ممكن يعترف بغلطه، ويغير نفسه، ويطلب السماح، ويبدأ من جديد.
أما وفاء…
ففضل شعرها أبيض.
لكنها عمرها ما غطته تاني.
كانت بتقول:
“ده مش شعر الست اللي اتظلمت زمان… ده شعر الست اللي نجت وقررت تكمل حياتها.”
مرت السنين، وكل واحد فينا بدأ يعيش حياته من جديد.
وفاء اتجوزت الراجل اللي اختارته بنفسها، وعاشت في بيت قريب مننا. كانت كل ما تيجي تزورني، تدخل من الباب من غير ما تخبط، زي زمان، لكن الفرق إن البيت المرة دي كان بيتها فعلًا، ومفيش حد يقدر يقول لها كلمة واحدة تخوفها أو تقلل منها.
أما عصام، فكان أكتر واحد اتغير.
مكنش التغيير حصل في يوم وليلة، لكنه كل يوم كان بيحاول يثبت إنه مش نفس الشخص اللي قفل على أخته باب المخزن.
مرة قال لي:
ـ عارفة يا أمي؟ أنا كل ما أفتكر اليوم ده بحس إني مش عارف كنت بفكر إزاي.
قلت له:
ـ المهم إنك عرفت.
قال:
ـ لأ، المهم إني ما أنساش.
وفعلًا ما نسيش.
كان كل ما يشوف واحدة بتتعرض للظلم في شغله أو وسط معارفه، يتدخل بكلمة حق، من غير ضرب ولا صوت عالي ولا استقواء.
أما أنا، فكنت كل ما أشوف وفاء بشعرها الأبيض، أحس إن اللون ده بقى جزء من حكايتي أنا كمان.
مرة سألتني:
ـ ماما، لسه بتزعلي لما تبصي لشعري؟
قلت:
ـ كل يوم.
ضحكت.
ـ ليه؟
قلت:
ـ علشان كل شعرة بيضا فيه بتفكرني بحاجة كان لازم أحميكي منها.
مسكت إيدي وقالت:
ـ بس إنتي اتغيرتي.
قلت:
ـ بعد فوات الأوان.
ردت:
ـ المهم إنك ما فضلتيش زي ما إنتي.
الكلمة دي كانت كفاية بالنسبة لي.
وفي يوم، كنت قاعدة معاها في البلكونة، وعصام كان بيهزر معانا من جوه، فبصيت لها وقلت:
ـ فاكرة أول يوم خرجتي فيه من المخزن؟
سكتت شوية.
ـ أيوه.
ـ وأنا عمري ما هنساه.
قالت:
ـ وأنا كمان.
ـ كنتي بتكرهينا؟
بصتلي.
ـ وقتها؟
هزت راسها.
ـ أيوه.
نزلت عيني.
لكنها كملت:
ـ بس دلوقتي لأ.
بصيت لها.
ـ ليه؟
ابتسمت.
ـ علشان الإنسان مش لازم يفضل طول عمره أسير أسوأ يوم في حياته.
وسكتت لحظة.
ـ لو فضلت أكرهكم، كنت هفضل محبوسة في المخزن حتى وأنا بره.
الكلمة دي فضلت جوايا.
وفهمت وقتها إن وفاء مكنتش خرجت من المخزن يوم عصام فتح الباب.
هي خرجت منه يوم قررت إنها متخليش اللي حصل لها يحدد بقية عمرها.
أما أنا…
ففضلت طول عمري فاكرة إن أكبر غلطة عملتها كانت إني فضلت عصام على وفاء.