GBS
بصت لأحمد.
الأفضل إنك تتعاون، وتقدم كل الأوراق المتعلقة بالموضوع.
أحمد هز راسه.
ما حاولش يجادل.
لكن قبل ما نمشي، ناداني.
مريم، ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟
بصيت لنهى.
قالتلي
هكون بره، لكن لو مش مرتاحة، مش لازم تتكلمي معاه.
وافقت، ووقفت قدامه.
قال
أنا عارف إن اللي عملته ما يتغفرش بسهولة.
ما رديتش.
كمل
لكني ما كنتش عايز أخسرك.
ضحكت بحزن.
إنت كنت مستعد تخسرني علشان أرض.
الموضوع ما كانش بالبساطة دي.
أومال كان إيه يا أحمد؟ إنت كنت بتبوسني كل صباح، وبعدها تراجع الجهاز اللي حطيته تحت عربيتي. كنت بتسألني عن مواعيدي، وبتراقب خروجي، وبتحاول تخليني أمضي على توكيل عام. كل ده كان علشان تحافظ على جوازنا؟
نزل عينه.
كنت فاكر إني أقدر أسيطر على الموضوع من غير ما أضرك.
قلت
ودي كانت أكبر غلطة. إنك افتكرت إنك تقدر تقرر بالنيابة عني، وتاخد حقي، وبعدين تطلب مني أشكرك.
ما ردش.
قلت
أنا مش هقدر أعيش معاك وأنا كل يوم بسأل نفسي إذا كنت بتقول الحقيقة ولا لأ.
رفع عينه.
يعني إنتِ عايزة تنفصلي؟
أخدت نفسًا طويلًا.
أيوه.
الكلمة خرجت هادية، من غير صړيخ ولا دموع.
أحمد فضل باصصلي، كأنه كان مستني إني أتراجع.
لكن المرة دي، ما تراجعتش.
بعد أسابيع من الإجراءات، قدمنا المستندات الأصلية، واتعمل فحص للتوقيعات، واتفتح تحقيق في ملحق العقد.
التحقيق أثبت إن التوقيع الموجود باسمي على الملحق لم يصدر عني، وإن المستند اتضاف إلى الملف في وقت لاحق لتاريخ الاتفاق الأصلي.
أما دفتر الحسابات، فكان فيه ما يثبت إن جدي ومحمود سوّوا خلافهم المالي من سنين، وإن الأرض لم تكن جزءًا من أي مديونية قائمة.
وبكده، انتهى الادعاء اللي كانت شركة العيلة بتستند إليه.
الشركة اضطرت تسحب طلبها المتعلق بالأرض، وبدأت مراجعة داخلية لكل المستندات اللي اتقدمت في الموضوع.
أما أحمد، فواجه العواقب القانونية والإدارية لتصرفاته، وخسر منصبه التنفيذي مؤقتًا لحين انتهاء المراجعة.
وأنا؟
رجعت للمنصورة.
فتحت باب مكتب جدي القديم، ووقفت قدام صورته.
كان مبتسمًا، بنفس الابتسامة اللي كنت فاكرها طول عمري.
حطيت رسالة جدي في درج مكتبه، جنب دفتر الحسابات الأسود.
وبعدها نزلت للمخزن.
لقيت العمال بيجهزوا شحنة جديدة للفروع، والموظفين بيتكلموا ويضحكوا.
كل حاجة كانت ماشية.
مشروع جدي فضل واقف.
وأرضي فضلت ملكي.
لكن أهم حاجة اتعلمتها، إن الحفاظ على حقك مش معناه إنك لازم تحولي حياتك لحرب.
معناه إنك تعرفي إمتى تثقي، وإمتى تسألي، وإمتى تقولي لأ.
بعد شهرين، وصلني جواب من نادية.
كانت بتشكرني إني ما ظلمتش محمود، رغم إن الشكوك كانت محاوطاه.
وفي آخر الجواب، كتبت
الحق ساعات بيتأخر، لكنه ما بيضيعش طول ما فيه حد مستعد يدافع عنه.
احتفظت بالجواب.
أما أحمد، فبعتلي رسالة أخيرة، قال فيها إنه ندمان، وإنه يتمنى أسامحه يومًا ما.
قريت الرسالة، وقفلت الموبايل.
ما رديتش.
مش علشان أنتقم منه.
لكن لأن فيه علاقات، لما الثقة فيها بتتكسر، الاعتذار وحده ما بيقدرش يرجعها زي الأول.
وفي صباح يوم جديد، وأنا بفتح المحل، لقيت بنت صغيرة واقفة قدام الواجهة، بتبص على علب الحلوى.
سألتني
يا طنط، هو المكان ده بتاعك؟
ابتسمت.
أيوه يا حبيبتي.
قالت
طب إنتِ بتعملي أحلى حاجة فيه إيه؟
ضحكت، وفتحتلها الباب.
تعالي أقولك.
دخلت البنت، ووراها أمها.
وفي اللحظة دي، افتكرت جدي.
افتكرت كل مرة كان يقف جنبي وأنا صغيرة، ويعلمني إزاي أختار الشاي، وإزاي أتعامل مع الزباين، وإزاي أحافظ على الحاجة اللي بنيتها بإيدي.
وفهمت أخيرًا ليه كان حريص يسيبلي المشروع باسمي.
ما كانش علشان الفلوس.
كان علشان يسيبلي حاجة أقدر أقف وراها، وأقول بثقة
دي حياتي، وده حقي، ومحدش له سلطة ياخدهم مني من غير إرادتي.
أما جهاز التتبع اللي بدأ الحكاية كلها، فكان آخر حاجة احتفظت بيها في درج مكتبي.
مش علشان أفتكر أحمد.
لكن علشان أفتكر اليوم اللي اكتشفت فيه إن الحقيقة، مهما كانت موجعة، أهون بكتير من إنك تعيشي عمرك كله جوه كڈبة.
تمت القصة.