بيت مهجور
روايات_مشيره_محمد
راحت لصائغ عجوز، راجل شيخ وبان عليه الوقار والستر، ومحله كان في حارة قديمة هادية. دخلت ووقفت بعيد لحد ما الزباين مشيوا. الراجل بص لها نظرة فاحصة وشاف الحمل، فقال بصوت حنون:
”آمرة يا بنتي؟ تحبي تشربي شاي ولا تاخدي نفسك الأول؟ شكلك جيتي مشوار طويل.”
أمينة بلعت ريقها وقالت بصوت ثابت رغم رجفة قلبها:
”لا يا عم الحاج، متشكرة. أنا جاية أبيع قطعتين دهب قدام، بتوع جدتي الله يرحمها، والضائقة شديدة عليَّ وأنا حامل على وش ولادة.”
الراجل فتح القطعتين وبص فيهم بعدسة التكبير، وملامح وجهه اتغيرت من الدهشة للريبة. الدهب ده مش صناعة اليومين دول، ده عيار قديم ونضيف جداً ونادر. بس شاف بطنها وظروفها المكسورة، فما حبش يحقق معاها ولا يضغط عليها. وزنهم، واداه ثمنهم الحقيقي كامل غير منقوص، وقال لها بكلمات طيبة:
”الفلوس دي حلال يا بنتي، وربنا يفرجها عليكِ. ولو عوزتي تبيعي تاني، أنا موجود، وبلاش تروحي لمكان تاني عشان ما حدش يبص لك بعين وحشة.”
أمينة رجعت البيت وهي حاملة أول ثمرة لستر ربنا. تلاتين ألف جنيه في إيدها وقتها كانوا مبلغ هيغير حياتها رأس على عقب.
عمار البيت.. وضحكة ترجع للقلب
بدأت أمينة الشغل بجد. أول حاجة عملتها إنها جابت صنايعي من القرية البعيدة، راجل طيب وبسيط اسمه “عم صابر”، فهمته إنها ورثت قرشين قليلين من عمها وعايزة تستر نفسها في البيت الخارب ده قبل الولادة.
عم صابر ما كدبش خبر، وابتدي الشغل:
رَمم الحيطان الطين وزودها بقش وطين جديد عشان تتماسك.
صلح السقف الخشب وركب عروق متينة تحميهم من البرد والمطر.
جاب بوابين وشبابيك خشب بلدية أصيلة، وفتح حنفية مية صغيرة واصلة من عين المية اللي تحت الجبل.
البيت في خلال شهرين اتحول من خربة مهجورة تحس فيها بريحة الموت، لبيت ريفي مصري أصیل، بينطق بالدفء والجمال. جدرانه متبيضة بالجير الأبيض الناصع، وشبابيكه الخشب ملونة بلون سماوي جميل، والأرضية مفروشة حصر خوص نظيفة وعليها “جلابيب” قديمة نضيفة عملتها كفرش دافئ.
في وسط الزحمة والتعب، كان بيجي لها أوقات تتعب فيها من الحمل، بس كانت تقعد على العتبة، تشرب شاي بنعناع على الكانون، وتبص للسما الصافية فوق الجبل، وتقول لنفسها:
”ربنا كريم يا ابني.. أبوك سابك في الدنيا دي لوحدك، بس رب العباد ما سابناش.”