بيت مهجور

روايات_مشيره_محمد

​الجيران والندم

​الخبر انتشر في القرية والبلاد المجاورة إن “الأرملة الغلبانة” قدرت تصلح البيت الملعون على الجبل وعايشة فيه لوحدها. الناس اللي طردوها واللي بعدوا عنها وبخلوا عليها بكلمة طيبة، بقوا يتقابلوا في السوق ويحكوا باستغراب:

​”يا جدعان هي جابت فلوس منين دي؟ مش كانت مشحطاطة ومش لاقية حق رغيف العيش؟!”

​”تلاقيه ورث خفي.. ولا يمكن لاقية كنز تحت الجبل!” (وهنا الكل كان بيضحك بسخرية على فكرة الكنز، من غير ما يحسوا إنها حقيقة واقعة).

​وفي يوم، خبطت على باب أمينة ست اسمها “فوزية”، كانت أكتر واحدة قست عليها في بيت الإيجار القديم وطردتها من الأوضة من غير رحمة لما الإيجار زاد.

​أمينة فتحت الباب، وشافت فوزية واقفة ووشها مصفر وخجلان، وماسكة في إيدها سلة فيها شوية بيض بلدي وفطيرة مشلتتة.

​”أمينة يا حبيبتي.. ازيك يا بنتي عاملة ايه؟ معلش سامحيني، الظروف وقتها كانت ضيقة والكل كان مأزوم، وأنا جيت أبارك لك على البيت الجميل ده، وقولت أجيب لك لقمة تفطرى بيها مع حملك.”

​أمينة بصت لها نظرة هادئة، مليانة عزة نفس وقوة مكنتش موجودة فيها وهي ضعيفة. خدت السلة بحظ، وقالت بصوت هادئ وثابت:

​”تشكري يا ام فوزية.. البيت منور بأهله، وربنا عالم باللي في القلوب. تعيشي وتجيبي.”

​فوزية حاولت تدخل تتأمل البيت من جوه، بس أمينة قفلت الباب بهدوء ولطف، وقالت لها:

​”معلش يا أم فوزية، أنا تعبانة وقاعد لوحدي ومرتاحة كده.. تسلم إيدك على الفطيرة.”

​قفلت الباب، وراحت قعدت وهي ببتسم. حسّت إن عزة النفس أغلى بكتير من أي ذهب في الدنيا، وإن ربنا أعطاها القوة والكرامة مع الرزق.

​ولادة يوسف.. وضوء جديد في الدار

​في ليلة شتوية باردة، والريح بتخبط في جدران الجبل، حسّت أمينة بوجع الولادة.

​الموقف كان مرعب؛ فوق الجبل لوحدها، والدنيا ليل، ومفيش دكتور قريب. بس أمينة كانت شجاعة. قامت وربطت على وسطها، وطلعت صندوق الكنز، وخدت منه قرشين لفّتهم في منديل وقالت:

​”يا رب أنت السند.”

​نزلت تجري بخطوات تتقل عليها الحمل لحد بيت “أم حسن”، القابلة البلدية القديمة المعروفة بالخبرة والجدعنة في القرية التحتانية. خبطت بكل قوتها. أم حسن فتحت الباب، ولما شافت أمينة بالحالة دي، دخلتها بسرعة وفتحت باب بيتها، وقالت:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *