مرات ابويا

روايات_مشيره_محمد

 

أبويا مخلانيش أدخل في تفاصيل خلافاتهم، ولا طلب مني أختار بينه وبينها.

 

قال لي مرة:

 

«إنتِ مش مطالبة تحكمي على جوازنا، يا ملك. دي مسؤوليتنا إحنا الكبار.»

 

وبالفعل، بدأنا حياة جديدة، أنا وهو وجدتي اللي بقت تزورنا باستمرار.

 

وفي الصيف اللي بعده، أبويا سألني:

 

«إيه رأيك يا ملك؟ نروح المصيف السنة دي؟»

 

ابتسمت وقلت:

 

«بس بشرط.»

 

ضحك وسألني:

 

«شرط إيه يا ست الكل؟»

 

قلت له:

 

«محدش يكذب على حد، ومحدش يقرر حاجة تخصني من غير ما يسألني.»

 

ضحك أبويا، وبعدها حضني وقال:

 

«اتفقنا يا حبيبتي.»

 

وسافرنا فعلًا، وقضينا أسبوع جميل في الساحل، لكن المرة دي كنت مطمنة، لأني عارفة إن أبويا مش هيصدق أي كلام عني من غير ما يسمعه مني أنا.

 

وفي آخر يوم في المصيف، كنا قاعدين على البحر وقت الغروب، فبصيت له وسألته:

 

«بابا، إنت ندمان إنك رجعت من المصيف عشاني؟»

 

بص لي باستغراب شديد.

 

«إيه السؤال ده يا ملك؟»

 

قلت له:

 

«أصل إنت كنت مستني الرحلة دي من شهور، وأنا عارفة إنك تعبت عشان تحجزها.»

 

أبويا ابتسم، ومسح على شعري وقال:

 

«بصي يا ملك، الشاليه ممكن أرجع له في أي وقت، والبحر موجود كل سنة، لكن إنتِ بنتي، ومفيش رحلة في الدنيا تستاهل إني أسيبك خايفة لوحدك.»

 

حسيت بدموعي بتتجمع في عيني، لكن المرة دي كانت دموع فرحة.

 

حضنته وقلت:

 

«بحبك يا بابا.»

 

رد عليّا:

 

«وأنا بحبك أكتر مما تتخيلي.»

 

فضلنا قاعدين جنب بعض، بنتفرج على الشمس وهي بتغيب، وأنا لأول مرة من فترة طويلة حسيت إني مش مضطرة أخبي خوفي أو أتحمل مسؤولية مش مسؤوليتي.

 

ومن يومها فهمت إن الحقيقة ممكن تعمل مشاكل، لكنها مش هي اللي بتخلق الغلط. الغلط بيبدأ لما حد يختار الكذب، ويحاول يخلي غيره يدفع تمن قراراته.

 

أما أبويا، فتعلم إن الثقة مش معناها إننا نصدق كل كلمة من غير ما نتأكد، وإن حماية أولادنا مش بس إننا نوفر لهم الأكل والبيت، لكن كمان إننا نسمعهم، ونصدق مشاعرهم، ونخليهم عارفين إنهم يقدروا يقولوا الحقيقة من غير خوف.

 

والسؤال اللي فضلت أفكر فيه بعد كل اللي حصل: لو نهى كانت اتكلمت بصراحة من البداية، هل كان ممكن تحافظ على جوازها؟ ولا المشكلة الحقيقية كانت إنها شافت بنت عندها 12 سنة منافسة ليها على حب جوزها، بدل ما تشوفها طفلة محتاجة أمان واحتواء؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *