حلبة قتاليه
روايات_مشيره_محمد
حضنته وقلتله:
— دي أهم حاجة اتعلمتها النهارده يا زياد.
سألني:
— أكتر من الحركات؟
ضحكت وقلتله:
— أكتر من أي حركة ممكن تتعلمها في حياتك.
وفي اللحظة دي، افتكرت اليوم اللي كنت واقف فيه قدام شريف على البساط.
افتكرت إزاي دخلت الصالة وأنا غضبان، وإزاي كان سهل جدًا إني أسمح للغضب يتحكم في تصرفاتي، وأحوّل الموقف لمجرد معركة بين راجلين كل واحد عايز يثبت إنه أقوى من التاني.
لكن لو كنت عملت كده، كان ممكن زياد يتعلم الدرس الغلط.
كان ممكن يفتكر إن القوة معناها إنك تهزم اللي قدامك، وإن الإهانة لازم تترد بإهانة، وإن كل مشكلة لازم تنتهي بحد واقع على الأرض.
أنا ماكنتش عايز ده لابني.
كنت عايزه يعرف إن الإنسان ممكن يكون قوي من غير ما يكون قاسي، وشجاع من غير ما يكون متهور، وقادر يدافع عن نفسه من غير ما يحوّل حياته لسلسلة من المعارك.
وفي آخر اليوم، وإحنا قاعدين على السفرة بنتعشى، زياد بصلي فجأة وقال:
— بابا، أنا عايز أشكرك.
استغربت.
— تشكرني على إيه يا حبيبي؟
قال:
— عشان يوم ما وقعت، ماخلتنيش أحس إني قليل. أنا كنت فاكر إن كل الناس شافتني ضعيف، لكن إنت خلتني أفهم إن اللي حصل مش معناه إني فاشل.
حطيت المعلقة من إيدي، وبصيتله بحنان.
— يا زياد، اسمعني كويس. في حياتك هتقابل ناس تحاول تقنعك إنك أقل منهم، وناس هتضحك عليك لما تغلط، وناس هتستغل خوفك عشان تحس إنها أقوى. لكن قيمتك مش في كلامهم، ولا في رأيهم، ولا حتى في عدد المرات اللي تكسب فيها.
قربت منه وقلت:
— قيمتك في أخلاقك، وفي محاولاتك، وفي إنك تقوم كل مرة تقع فيها، وتتعلم من غير ما تكره نفسك. ولو في يوم احتجت مساعدة، ماتتكسفش تطلبها. ده مش ضعف، ده عقل.
زياد ابتسم وقال:
— حاضر يا بابا.
وبعدها رجع ياكل وهو بيحكيلي عن التمرين الجديد اللي هيتعلمه الأسبوع الجاي.
وأنا كنت بسمعه، حسيت إننا أخيرًا خرجنا من اللحظة اللي كانت ممكن تفضل تطاردنا سنين.
مش لأننا انتصرنا على شريف، ولا لأن الناس عرفت ماضي حاتم السيوفي، ولا لأن مدرب مشهور خسر مكانته.
لكن لأن ابني رجع يضحك، ورجع يحب الحاجة اللي كان بيحبها، وفهم إن اللحظة اللي وقع فيها على أرض الصالة مش هي اللي هتحدد مستقبله.
أما أنا، ففهمت إن أصعب معركة خضتها في حياتي ماكانتش في أي مهمة قديمة، ولا فوق أي أرض بعيدة.