صفقه على ضوء الشموع

الجزء الأول: صفقة على ضوء الشموع

 

مالك الدسوقي، اسم كان بيتردد في أوساط الاستثمار زي الرصاصة. شاب في التلاتينات، يمتلك مجموعة شركات ضخمة. حياته كانت قصة نجاح ملحمية: فقير، يتيم، وصل للقمة في سن صغيرة. لكن القمة دي مكنتش بس بالذكاء والاجتهاد؛ القمة دي كانت مبنية على أساسات محدش يعرفها.

 

في الليلة دي، مالك مكنش في مكتبه الفخم في التجمع الخامس. كان قاعد في مكان تاني خالص. شقة مهجورة، في عمق منطقة شعبية قديمة، مبنية بالطوب الأحمر، ريحة التراب والعفن والقدم مالية المكان. مالك، اللي دايماً لابس أغلى البدل الإيطالية، كان قاعد على كرسي مكسور، قدامه ترابيزة بلاستيك محروقة الأطراف.

 

قدامه، كان قاعد “الريس حجاج”، راجل كبير في السن، ملامحه متآكلة زي جدران الشقة، عيونه صفرا وبتبص بنظرة تخترق الروح. حجاج مكنش شيخ ولا دجال، حجاج كان “قناة”. الراجل ده كان حلقة الوصل بين عالم البشر وعالم تاني.

 

مالك كان لسه كسب صفقة ضخمة؛ مشروع استثماري في الساحل يكسبه مليارات. بس عشان الصفقة دي تتم، كان لازم منافسه الرئيسي، “عزت بيه”، ينسحب بطريقة تكسر رقبته. وده كان دور حجاج.

 

“الخسارة جات له سريعة يا ريس حجاج. محققة مبالغ ضخمة اتحولت من حساباته لحسابات وهمية في يوم واحد. البنك كله اتشل. محدش فاهم إيه اللي حصل.” قال مالك وهو بيحاول يبان ثابت، بس إيده اللي ماسك بيها كوباية الشاي كانت بترتجف خفيف.

 

حجاج بص له من تحت رموشه الثقيلة، وضحك ضحكة باردة ومبحوحة زي صوت احتكاك الزجاج. “دي مش خسارة عادية يا مالك بيه. ده مش مجرد خطأ في السيستم. ده ثمن صفقتك اللي إنت دفعتها. كل ورقة كسبتها في الصفقة دي، قصادها ورقة ضاعت من روح عزتك بيه.”

 

حجاج مد إيده ناحية مالك، وطلع من جيبه قطعة قماش سودة معفونة، فيها زي طين ناشف وحاجة ملفوفة جواه. “أنا نفذت اللي طلبته بالظبط. ربطت خسارته في حياته كلها، لحد ما يشوف العار بعينه. بس إنت عارف، كل صفقة جديدة لازم ليها ‘تجديد عهد’.”

 

مالك بلع ريقه. “التجديد المرة دي هيكون إيه يا ريس؟”

“المرة دي، الموضوع أكبر من مجرد فلوس، ودي صفقة العمر ليك. إنت دلوقتي وصلت لمرحلة مبقتش بتنافس فيها ناس عاديين. فيه كيانات أكبر منك بتتفرج عليك. إنت بقيت بتنافس أرواح، مش بشر.” قال حجاج وهو بيقرب منه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *