بنت الباشا الشغاله.. مشيره محمد
في السوق، الكل بيعمله ألف حساب وكلمة “يا باشا” مابتفارقش لسانهم قدامه.
وكان عايش لوحده.. وده الوضع اللي كان بيفضله.
خبطة خفيفة على الباب قطعت الهدوء ده.
رفع عينه وشاف “أم سعد” واقفة على الباب.. دي الشغالة اللي عن
رد وهو بيسيب القلم: “طبعاً يا أم سعد، اتفضلي اقعدي.”
دخلت وقعدت بحرص، وحطت إيديها على ركبها.. كان باين عليها إنها محضرة الكلام اللي هتقوله، بس لسه قلقانة.
أستاذ كامل فضل ساكت ومستني.. طول عمره خلقه واسع وباله طويل.
بعد لحظات، أم سعد خدت نفس طويل وقالت:
“يا سعادة الباشا، أنا خدت قرار.. أنا مضطرة أسيب الشغل هنا.”
الكلمة وقعت على ودنه تقيلة.. فضل باصص لها شوية من غير ما ينطق.
سألها بهدوء: “تمشي؟ ليه يا أم سعد.. أنا زعلتك في حاجة؟ فيه حاجة حصلت ومخبيها عليا؟”
هزت راسها بسرعة وهي بتبتسم بجد المرة دي: “لا والله يا باشا، أبداً.. ده العكس تماماً هو اللي حصل.” سكتت شوية بتنقي كلامها: “أنا بقالي سنين بحوش قرش على قرش، والأسبوع اللي فات قدمت في دورة تدريبية.”
رفعت راسها بـ فخر بسيط وقالت: “طول عمري بحلم أكون ممرضة ومعايا شهادة.. عايزة أعمل حاجة ليها قيمة وأضمن بيها مستقبلي، ودلوقتي حاسة إني جاهزة.”
ساد السكون في المكتب.. وبعدين ملامح أستاذ كامل بدأت تلين.
هز راسه ببطء، مش هزة راس رجل الأعمال اللي بياخد قرار سريع، لا، كانت هزة فيها تقدير:
“يا أم سعد.. بصراحة مفاجأة، بس أنا مقدر جداً.. وأنا فخور بيكي، بجد.”
عينيها لمعت من الفرحة: “متشكرة قوي يا باشا.. حضرتك طول عمرك بتعاملني بالعدل، وبسبب الشغل ده قدرت أحوش اللي أنا محتاجاه.. أنا مديونة لك بكتير.”
شاور بإيده كأنه بيمسح الكلام ده، زي عادته لما حد يشكره، بس ظهر في عينه قلق حقيقي:
“هتوحشينا والله.. ومش هخبي عليكي، البيت كبير وأنا مش هقدر أديره لوحدي، أنتي عارفة كده كويس.”
أم سعد اتعدلت في قعدتها، كأنها كانت مستنية اللحظة دي:
“عارفة يا باشا، وعشان كده مهنش عليا أسيبك من غير مساعدة.. أنا فكرت في حد يمسك مكاني.”
حطت إيديها على ركبها وقالت بثقة:
“بنت شابة أعرفها كويس قوي.. كانت جارتي من سنين في منطقتنا القديمة. بنت هادية، شقيانة، ومؤدبة جداً.. وبقالها فترة بتدور على شغلانة ثابتة.”
سكتت شوية وكملت: “دي بنت أصول يا باشا، وأنا أضمنها برقبتي.”
أستاذ كامل ضيق عينيه شوية، مش شك فيها، بس بحكم عادته إنه مبيوافقش على حاجة من غير ما يدرسها:
“يعني مش مجرد معرفة طريق؟”
ردت أم سعد: “لا يا باشا، دي عشرة سنين.. أنا كلمتها امبارح وهي مستعدة تيجي وتجرب، ولو حضرتك وافقت، أجيبها بكره الصبح تقابلها وتشوفها بنفسك.”
ومن غير ما يحس.. أستاذ كامل كان على وشك إنه يفتح بابه للشخص الوحيد اللي ماضيه مابردش أبداً من ناحيته
بعد أسبوع من وجود “ليلى” في البيت، الهدوء اللي كان بيعشقه “كامل” اتحول لتوتر ملهوش آخر. كان بيراقبها من ورا ورق شُغله، بيشوفها وهي بتتحرك في الصالة، وسؤال واحد بياكل في دماغه: “معقولة تكون هي؟”.
في ليلة شتت فيها الدنيا بغزارة، كامل كان قاعد في المكتب، وليلى كانت بتلم كوبايات القهوة. فجأة، البرق ضرب في السما، والنور قطع لثواني.. ليلى اتنفضت والكوباية وقعت من إيدها اتكسرت ميت حتة.
كامل (بصوت حاد بس مرعوش): “حصل إيه؟ أنتي كويسة؟”
ليلى (وهي بتلم القزاز بسرعة): “أنا آسفة يا باشا.. غصب عني، أنا بس بخاف من الرعد والبرق من صغري.”
كامل قلبه قبضه.. “نادية” كانت بتترعب من البرق بنفس الطريقة. قام من مكتبه وقرب منها، لقى السلسلة اللي في رقبتها بانت أكتر تحت ضوء الكشاف.. السلسلة الفضة اللي كان فيها حرف (ن) و (ك).
كامل (بصوت متهدج): “السلسلة دي.. جبتيها منين يا ليلى؟”
ليلى (بصت له باستغراب وحطت إيدها على السلسلة): “دي حاجة أمي نادية سابتهالي قبل ما تموت.. قالتلي دي أغلى حاجة طلعت بيها من الدنيا، وإنها من الشخص الوحيد اللي قلبها اختاره.”
كامل حس إن الأرض بتلف بيه، سند على المكتب عشان ميقعش.
كامل: “وأمك.. مقالتلكيش الشخص ده فين؟”
ليلى (عينيها لمعت بدموع وقوة في نفس الوقت): “قالتلي إنه مات.. مات بالنسبة لها من اليوم اللي سابها فيه وهي شايلة فيّ. قالتلي يا بنتي اللي يبيعنا مرة، نعتبره ميت ونعيش حياتنا.”
الكلمة نزلت على كامل كأنها خنجر.
كامل: “لو طلع عايش يا ليلى؟ لو طلع قدامك دلوقتي؟”
ليلى (ضحكت ضحكة وجع): “لو قدامي دلوقتي؟ هقوله شكراً.. شكراً إنك علمتني إن القسوة ممكن تيجي من أقرب الناس. بس حضرتك بتسأل الأسئلة دي ليه يا سعادة الباشا؟”
كامل سكت.. الصمت كان تقيل لدرجة إنهم سامعين صوت دقات قلب بعض. وفجأة، كامل قرر يرمي الورق كله.
كامل: “عشان السلسلة دي أنا اللي جايبها يا ليلى.. وعشان حرف الـ (ك) ده يبقى ‘كامل’.. وعشان نادية مكنتش مجرد جارة لأم سعد.. نادية كانت…”
ليلى (قاطعته وصوتها بقى عالي): “كانت إيه؟ انطق! كانت الست اللي رميتها عشان تطلع السلم وتعمل ‘كامل وشركاه للمقاولات’؟”
كامل اتصدم.. ليلى كانت عارفة!
ليلى (بانهيار): “أنت فاكر إني جيت هنا بالصدفة؟ أم سعد حكت لي كل حاجة من سنين.. أنا جيت هنا عشان أشوفك، عشان أعرف الراجل اللي بسببه أمي عاشت خدامة في بيوت الناس عشان تربيني، كان يستاهل كل الوجع ده ولا لأ.”
كامل (بيحاول يمسك إيدها): “يا ليلى اسمعيني.. أنا كنت صغير، كنت خايف..”
ليلى (زقت إيده): “خفت من حتة لحم منك؟ خفت من البنت اللي سابتلك الدنيا وجت تخدم في بيتك عشان بس تحس بيك؟ أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة أكون ‘بنت الباشا’.. أنا جيت عشان أبص في عينك وأقولك إنك خسرت كتير قوي يا أستاذ كامل.. خسرت بنت كانت ممكن تحبك أكتر من أي نجاح وصلت له.”
ليلى سابته وخرجت في المطر.. وكامل فضل واقف في نص مكتبه الفخم، اللي بقى في اللحظة دي أضيق من سجن، وهو بيصرخ باسمها وسط الرعد.

