ستهم.. مشيره محمد
لما لقيت بنتي “نور” جثة هامدة ومرمية ورا المزرعة اللي في آخر البلد، وإيديها متربطة وآثار العذاب مغطية جسمها كله.. عرفت وقتها إن حياتي اللي عشتها انتهت للأبد. كان عندها 19 سنة، كانت في معهد تمريض وبتحلم تلبس الأبيض، قتلوها عشان “بشوات” الجبل والتهريب كانوا عايزينها وهي وقفت في وشهم ورفضت.
أنا اشتغلت 12 سنة بنضف بيوت ومخازن لناس “تقيلة” في المنطقة.. 12 سنة بمسح الدم من على الأرض، وبلم الفارغ بتاع الرصاص، وبطهر الأوض اللي بيتعذب فيها الخلق. كنت بطبخ للي بيقتلوا، وبغسل لبس الرجالة اللي راجعين ويديهم ملوثة بدم الناس. كنت عارفة كل حاجة.. عارفة كل بيت، وكل خباياهم، وكل نقطة ضعف في نظامهم، وعمري ما نطقت بكلمة، عشان كانوا بيدفعوا كويس، وعشان كنت خايفة، وكنت فاكرة طول ما أنا ماشية جنب الحيط وبخدمهم مش هييجوا جنبي.. يا ريتني ما صدقتهم.
اللي هقوله النهاردة ممكن يخلص على حياتي، ويمكن هي خلصت فعلاً، بس لازم العالم كله يعرف أنا عملت إيه وليه. أنا ست عندي 54 سنة، أم لتلاتة، وجدة لحفيدين.. الست اللي كانت بتروح المصلى كل جمعة، بقيت “قاتلة” لـ 19 راجل من أكتر الناس شر وحرص في المنطقة دي.
اسمي “ستهم مهران”، وكانوا بيدلعوني بـ “أم نور”، وده اعترافي. اتولدت في قرية صغيرة تبع مركز أوتلان سنة 1970. أبويا كان شغال فلاح بالأجير في غيطان القصب، وأمي كانت بتغسل للناس عشان تسند البيت. كنا سبعة إخوات وأنا الرابعة، ومن وأنا عندي 8 سنين كنت بنزل مع أمي نغسل ونكوي وننضف في بيوت الأعيان.
مكملتش تعليمي بعد تالتة ابتدائي، مكنش فيه فلوس والبنات في وقتنا مكنوش بيتعلموا، كان لازم نشتغل. طفولتي كانت صعبة بس مكنتش حزينة، كان فيه حب وإيمان وأمل إن بكرة أحلى. أمي كانت دايمًا تقولي “الشغل الشريف هو اللي بيعلي الراس، وربنا بيراضي اللي بيتعب”.
صدقتها.. صدقتها سنين طويلة. فاكرة لما كنا بنروح كلنا يوم الجمعة الصبح، أمي تلبسنا أحسن فساتين عندنا، وتضفر شعرنا ضفائر جامدة، وتاخدنا من إيدينا في طريق التراب لحد الجامع الصغير. كنت بحس إن ربنا قريب وحامينا وكل حاجة هتبقى تمام.
في سن الـ 16 اتجوزت “عبد الستار”، كان أكبر مني بـ 12 سنة، وشغال سواق نقل تقيل. قابلته في المولد، عزمني على “حاجة ساقعة” وفضل يضحكني بنكته البايخة. بعد تلات شهور دخل البيت من بابه واتجوزنا في نفس المسجد اللي اتولدت فيه.