تمن الغربة

اللي شفته ورا الفيلا كان كابوس مش قادر أصدقه.
أنا محمود، عندي 35 سنة. اشتغلت 5 سنين مهندس أول في السعودية. استحملت حر الصحراء، والتعب اللي يهد الحيل، والغربة المرة عن مراتي “مي” وابني “سيف”، اللي مكنش كمل سنة لما سافرت.
​ولأن مكنش عندي حساب في البنك وقتها، اتفقنا إني أبعت كل مليم من مرتبي على حساب والدتي، “الحاجة كريمة”. كنت بحول 80 ألف جنيه كل شهر، وكنت دايماً أوصي أمي: «يا أمي، مي وسيف مينقصهمش أي حاجة، عايزهم يعيشوا أحسن عيشة وما يحسوش بغيابي.»
​كل مرة كنت أتصل، كانت أمي وأختي “ولاء” يقولوا لي إن مي في المول بتشتري لبس، أو في الكوافير، وعشان كدة مش عارفة ترد. وبسبب ضغط الشغل وثقتي في أهلي، كنت بصدق. ده أنا حتى بنيت فيلا كبيرة وفخمة من شقايا وتغربي.
​الرجوع المفاجئ
عقد شغلي خلص قبل ميعاده، وبدل ما أقولهم، قررت أرجع فجأة عشان أعملهم مفاجأة. كنت عايز أشوف الفرحة في عين مراتي وابني. جبت معايا شوكولاتة من الغالية، ودهب لمي، ولعب كتير لسيف اللي بقى عنده 6 سنين.
​وصلت المطار وطلعت على طول على منطقتنا. وقفت قدام الفيلا، لقيت الأنوار كلها قايدة والمزيكا عالية.. باين إن أمي وولاء عاملين حفلة وعازمين صحابهم “الهاي كلاس”.
​وعشان أفاجئهم بجد، قررت أدخل من الباب الوراني اللي جنب المطبخ.
​المشهد اللي كسر قلبي
الضلمة كانت مغطية الجنينة اللي ورا. وأنا ماشي في الممر، سمعت صوت عياط مكتوم وصوت طفل بيوشوش.
​«ماما.. أنا جعان أوي، عايز آكل فراخ من اللي جوه»، الطفل قالها بصوت يقطع القلب.
​ردت عليه ست بصوت بيترعش: «اسكت يا حبيبي.. وطّي صوتك لحسن ستك تسمعنا وتض*ربنا تاني. خد، كل ده.. أنا غسلت الرز اللي كان مكمكم عشان ريحته تروح.»
​دقات قلبي بقت سريعة جداً.. الصوت ده مش غريب عليا!
قربت براحة وبصيت من شباك المطبخ المظلم..
​الشنط والهدايا وقعت من إيدي..
وحسيت كأن قنبلة فرقعت في صدري
شفت مي، مراتي اللي كنت فاكرها بتدلع في المولات، قاعدة على الأرض في ركن ضلمة في المطبخ الخارجي، لابسة هدوم قديمة ومقطعة، وماسكة طبق بلاستيك فيه شوية رز ريحتهم استغفر الله العظيم. وسيف ابني، اللي كنت متخيله لابس أنضف لبس، كان نايم في حضنها وهدومه دبلانة ووشه شاحب من قلة الأكل.
​فتحت الباب المتهالك ده ودخلت وأنا مش قادر أصلب طولي. مي أول ما شافتني شهقت ووقعت من طولها، كانت فاكرة إنها بتحلم أو إن ده خيال من كتر التعب. سيف استخبى وراها وهو مرعوب وسأل ببراءة توجع: «هو ده الراجل اللي هيض*ربنا يا ماما عشان الرز؟»
​الكلمة دي نزلت عليا زي الس*كين. شلت سيف في حضني وهو بيترعش، ووقفت مي اللي كانت بتبكي بهستيريا. عرفت منها الكارثة: أمي وأختي من ساعة ما سافرت وهما معاملينهم زي “الخدامين”. أخدوا منها الموبايل، ومنعوها تخرج، وكانوا بياخدوا الفلوس اللي ببعتها يصرفوها على لبسهم وخروجاتهم وعزوماتهم، ويرموا لمي وسيف بقايا الأكل، ولو اشتكت كانت أمي بتهددها إنها هتخلي ابني يكرهها أو إنهم هيطردوها في الشارع وهي معهاش مليم.
​سبتهم في المطبخ وطلعت زي الطور الهايج على الصالة الكبيرة. الحفلة كانت شغالة، والضحك واصل لآخر الشارع، والسفرة عليها ما لذ وطاب. أول ما أمي شافتني اتصدمت و كانت ماسكة كاس عصير ولابسة فستان حرير وغرقانة في الذهب، وولاء أختي كانت واقفة بتضحك مع صحابها. أول ما شافتني، وشها قلب ألوان، والضحكة اتجمدت على شفايفها.
​أمي بصدمة وارتباك: “محمود! يا ابني.. جيت إمتى؟ وليه مقلتش عشان نجهزلك أحلى استقبال؟ ده البيت كان هيتفتح مخصوص عشانك!”
​أنا وصوتي بيترعش من كتر الغضب: “يتح فتح مخصوص عشاني؟ والباب اللي ورا ده مفتوح لمين يا أمي؟ للخدامين؟ ولا لمراتي وابني اللي بياكلوا رز معفن في الضلمة؟”
​ولاء أختي حاولت تداري الموقف ببرود مستفز: “يا محمود اهدى بس، مي هي اللي اختارت تعيش كدة، كانت دايماً بتقول أنا بحب البساطة، وإحنا سيبناها براحتها.. وبعدين دي كانت بتصرف مبالغ..”
​قاطعتها بصرخة هزت النجف اللي في السقف: “كدابة! مي مكنتش بتصرف مليم، أنتوا اللي كنتوا بتمصوا دمي وتذلوها!”
​ليه “مي” مقدرتش تتكلم؟ (الخطة الشيطانية)
​التفت لمراتي اللي كانت واقفة عند باب المطبخ بتترعش، وقلت لها: “ليه يا مي؟ ليه مقلتيش؟ ليه لما كنت بكلمك كنتِ بتسكتي أو تقولي إنك كويسة؟”
​مي ردت بدموع وقهر: “مقدرتش يا محمود.. مكنش بإيدي.”
​الحقيقة كانت كابوس: أمي أول ما سافرت، أخدت منها الموبايل بحجة إنه “بيشغلها عن رعاية سيف”، ولما كانت بتخليني أكلمها، كانت بتفتح “الاسبيكر” وبتقعد قدامها، وماسكة سيف من إيده بقوة، وبتهددها بنظراتها إنها لو نطقت كلمة واحدة عن اللي بيحصل، هتبلغني إن مي “خاينة” وبتمشي مع حد في غيابي، وهتخلي ولاء تشهد بكدة.. وعارفة إني غيور وبحبها، فكانت مي بتخاف على سمعتها وعلى ابني لا يتاخد منها.
​أمي قالت لها بالحرف: «لو فتحتي بؤك بكلمة، هخلي محمود يطلقك ويرميكي في الشارع ويحرمك من ابنك طول العمر، ومحدش هيصدقك، إحنا أهله وإنتي الغريبة.»
​حوار الأم (السبب المقنع للي عملته)
​أنا بصيت لأمي بحزن: “ليه يا أمي؟ ده أنا كنت ببعتلك الفلوس عشان تدلعيهم وتدلعي نفسك.. ليه تعملي فيهم كدة؟”
​أمي ردت بجبروت غريب وقسوة: “عشان دي بكرامتك يا سي محمود! بقى تشتغل وتتغرب وتتعب عشان في الآخر تيجي واحدة غريبة تاخد كل حاجة على الجاهز؟ تلبس وتتمنظر بفلوس ابني؟ أنا اللي ربيتك وتعبت فيك، أنا أحق بالقرش ده منها.. كنت عايزة أضمن إنك لما ترجع تلاقي أهلك هما اللي أصحاب البيت، مش هي اللي تتحكم فينا!”
​أنا ردت عليها بذهول: “تتحكم فيكم؟ دي كانت بتغسلكم الهدوم وبتاكل الفضلات! أنتوا محبتونيش يا أمي، أنتوا حبيتوا جيبي.. أنتوا حولتوا الفيلا دي لسجن.”
​النهاية الحاسمة
​طلعت مفاتيح العربية والفيلا من جيبي ورميتهم على الترابيزة قدامهم، وقلت بصوت هادي ومرعب:
“من اللحظة دي، مفيش مليم واحد هيدخل الحساب ده تاني. والفيلا دي، أنا هكتبها باسم سيف ومي تعيش فيها ملكة.. وأنتي يا أمي، أنتي وولاء، قدامكم ساعة واحدة تلموا فيها كل الحاجات اللي اشتريتوها بفلوس “الخدامة” اللي كانت بتأكلكم وتغسلكم، وترجعوا لبيتنا القديم.. البيت اللي كان على قدنا قبل ما الفلوس تعمي عينيكم.”
​أمي حاولت تعيط وتتمسكن: “يا ابني اخص عليك، هتطرد أمك عشان خاطر واحدة؟”
رديت عليها وأنا باخد مي وسيف في حضني: “لا يا أمي.. أنا بطرد الظلم من بيتي عشان أعرف أعيش فيه.”
​خرجوا وهما بيجروا ذيول الخيبة، وقفلت الباب وراهم، وبصيت لمي وقلت لها: “حقك عليا يا بنت الأصول.. الغربة خلصت، والوجع كمان خلص.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *