عمـــــــاره
أنا اسمي عمارة.. وطول عمري كنت حاسة إني “على الهامش”. مكنتش لسه استوعبت الحقيقة المرة، وهي إني مش البنت اللي أمي بتحبها أكتر حاجة. في الأول، الحكاية بدأت بتفاصيل صغيرة قوي، من اللي الناس بتقولك عليها “كبري دماغك، دي أمك برضه”.
لو أختي غلطت أو كسرت حاجة، أمي كانت تطبطب عليها وتقول: “معلش، مكنش قصدها، فداكي مية حاجة”. لكن لو أنا اللي عملت نفس الغلطة؟ الدنيا كانت بتتقلب، وتتحول لمحاضرة طويلة عريضة عن الإهمال وعدم المسؤولية.
لو فضل مناب واحد من اللحمة أو الفاكهة، دايماً كان “بالصدفة” بيروح لطبقها هي. ولو جينا نتكلم إحنا الاتنين في نفس الوقت، كان الرد الجاهز: “اسكتي يا عمارة، اسمعي أختك عايزة تقول إيه الأول”.
حاجات صغيرة.. بس بتوجع. ومع الوقت، بدأت أغير من نفسي عشان أرضيهم. بقيت البنت “الساكتة”، اللي بتفهم من نظرة العين، اللي مابتجادلش ومابتطلبش حاجة.. كنت خايفة أكون تقيلة على قلبهم. بس لما بتيجي على نفسك كتير عشان تريح غيرك، بتحس إنك بتبدأ تختفي.. ملامحك وروحك بيبهتوا.
لحد ما جه اليوم اللي غير كل حاجة.. الحقيقة اللي محدش كان عايز يسمعها.
أمي بعتتنا إحنا الاتنين السوق نشتري شوية طلبات للبيت. وإحنا هناك، أختي شافت محل حلويات غالي، وصممت تشتري منه، ولما قولتلها “ماما هتحس بنقص الفلوس”، قالتلي “ملكيش دعوة أنتي”.
لما رجعنا البيت، أمي وقفت في الصالة وسألتنا عن “الباقي”. أنا قلبي قبضني واتسمرت في مكاني، مكنتش عارفة أقول إيه. وقبل ما أنطق بكلمة، أختي وبكل برود الدنيا قالت: “يا ماما، أنا اديت عمارة الفلوس كلها تشيلها معاها وهي اللي كانت بتحاسب”.
أمي مخدتش ثانية واحدة تفكر. مفيش سؤال، مفيش شك، مفيش حتى نظرة عتاب لأختي. لفت وشها ليا وقالتلي بجمود: “يا عمارة.. أنا ماربيتكيش على كدة! أنتي بتمدي إيدك على الفلوس من ورايا؟”.
حاولت أدافع عن نفسي، قولت لها “والله يا ماما هي مادتنيش حاجة، الفلوس كانت معاها”، بس كلامي كان بيقع على الأرض. أختي مثلت دور الضحية وبدأت تعيط بتمثيل متقن وتقول: “خلاص يا ماما، حقك عليا أنا، يمكن ضاعوا منها وهي خايفة من عقابك.. أنا مسامحاها”.
الجملة دي كانت أبشع من التهمة نفسها، لأنها خلتني “حرامية وكذابة” وأختي هي “الملاك المسامح”. أمي عاقبتني عقاب شديد، منعتني من الخروج وحرمتني من كل حاجة بحبها، والأهم من ده كله، نظرة الاحتقار اللي كانت في عينها كل ما تشوفني.
