التوأم.. مشيره محمد

. حكايتي مع “الست المديرة” في المول

​فيه ست شايفة نفسها ومفترية طردتني أنا وبناتي التوأم لسه مولودين من حمام الحريمي وأنا بحاول أغير لهم، وطلبت لي الشرطة.. بس الكرمة (الدنيا لما بتدور) جابت لي حقي في ساعتها.

​بعد تلات أسابيع من وفاة مراتي “نهى” وهي بتولد بناتي التوأم “فريدة” و”ليلى”، كنت عايش شبه الميت، مانمتش أكتر من ساعتين على بعض من يوم العزا. دبلة الجواز كانت لسه في إيدي، وكنت لسه ساعات بتلفت عشان أكلمها قبل ما أفتكر فجأة إنها مبقتش موجودة.

​في اليوم ده، كنت في مول زحمة جداً، بلف أدور على سلوبيتات جديدة للبنات لأنهم بيكبروا بسرعة البرق. وفجأة، البنتين قعدوا يعيطوا في نفس الوقت.. البامبرز كان غرقان مية. دخلت حمام الرجالي ملقتش ترابيزة لتغيير الحفاضات، ودورت على غرفة رعاية أطفال ملقتش برضه.

​هنا أخدت قراري..

​دخلت حمام الحريمي وأنا شايل البنتين في الحمالة، كنت موطي راسي وبقول بصوت واطي: “أنا آسف.. معلش” مكنتش بوجه الكلام لحد معين.

​كنت بشتغل بأسرع ما عندي، إيدي بتترعش، وبحاول أهديهم وأنا بغير للأولى وبعدين التانية.

​وفجأة.. سمعت صوت كعب جزمة.

خبطات حادة، سريعة، ووراها عصبية واضحة.

​”إيه القرف ده؟ أنت بتعمل إيه هنا؟! أنت حتى مش عارف تسكت العيال.. أهو عشان كده الأطفال محتاجين أمّهات! مش رجالة مش فاهمة هي بتعمل إيه!”

​لفيت ورايا لقيت ست في الأربعينات من عمرها، لابة على السنجة وعشرة، وبتبص لي بقرف كأني حشرة قدامها.

​قلت لها بصوت هادي ومكسور: “أنا محتاج دقيقتين بس.. مفيش أي مكان تاني أغير لهم فيه—”

​قاطعتني بزعيق: “مش مهتمة! أنت مكانك مش هنا، ده حمام حريمي!”

​”بس بناتي—”

​”أنا هطلب لك البوليس حالا!”

​هنا ركبي خبطت في بعضها.

قلت لها: “أرجوكي.. أنا هخلص في ثانية.”

​قربت مني، ووطت صوتها وقالت بلهجة كلها تهديد: “أنت عارف أنت بتتكلم مع مين أصلاً؟ أنا مديرة في أكبر شركة عقارات وإيجارات في البلد دي.. مكالمة واحدة مني، وعمرك ما هتعرف تلاقي شقة تسكن فيها في المحافظة دي كلها تاني!”

​إيدي سقعت ودمي نشف..

وفي نفس اللحظة، واحدة من بناتي طلعت صرخة عياط حادة وموجعة.

​الست بدأت تزقني وتطردني برة في الممر وهي بتقول: “كمان كام دقيقة البوليس هيجي يعلمك الأدب والأصول.”

​وفجأة.. قطع الممر ده صوت راجل.

صوت بارد، وواثق، وكله هيبة:

“لامؤاخذة.. هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟”

​الست اتسمرت في مكانها.. ملامحها اتغيرت تماماً أول ما سمعت الصوت، واضح جداً إنها عرفته!

وشها بدأ يصفّر ويفقد كل نقطة دم.. ببطء شديد.

​لأن الراجل اللي واقف وراها ده مكنش مجرد زبون عادي في المول..

ساعتها بس عرفت إن الدنيا دارت، وأن الكرمة بدأت تشتغل..

​والكلمتين اللي قالهم بعد كده..

خلوها تسند على الحيطة عشان متقعش من طولها!روايات مشيره محمد

​الست كانت ساندة على الحيطة، وركبها بتخبط في بعضها، كأنها شافت عزرائيل مش مجرد راجل واقف وراها. أنا مكنتش فاهم حاجة، كنت واقف ضامم البنتين لصدري وإيدي لسه بتترعش من التوتر والتهديد اللي قلتهولي من ثواني.

​الراجل اللي اتكلم كان ملامحه حادة، لابس بدلة شيك جداً من غير كرافتة، باين عليه الهيبة والفلوس من على بعد ميل. نظراته ليها كانت شبه الموس، بتقطع من غير دم.

​الست بلعت ريقها بصعوبة، وصوتها اللي كان من شوية بيزلزل الحمام حريمي، اتقلب فجأة لنبرة قطة مبلولة:

“بشمهندس طارق! أهلاً وسهلاً يا فندم.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إن حضرتك هنا في المول!”

​البشمهندس طارق باصلها من فوق لتحت ببرود قاتل، ومشي خطوتين تلاتة ناحيتنا، وبص للبنات اللي في حضني، وبعدين رجع بص للست وقالها بنبرة صوت واطية بس ترعب:

“أنا بسألك سؤال واضح يا مدام مديرة.. إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ ومين ده اللي مش هيلاقي شقة يسكن فيها في المحافظة دي كلها تاني؟”

​مدام نجلاء — ده الاسم اللي عرفته بعد كده — بدأت تفرك في إيديها ووشها عرق، وحاولت ترسم ابتسامة صفرا وقالت:

“أصل.. أصل يا فندم الأستاذ دخل حمام السيدات، وده وضع مش مقبول طبعاً وحاجة تكسر خصوصية المكان، وأنا كنت بس برده.. يعني بحاول أحافظ على النظام، وحضرتك عارف أنا بخاف على اسم الشركة ومظهر موظفينا برة الشغل..”

​طارق قاطعها برفع إيده الصغير، والحركة دي كأنها قطعت حبل أفكارها وخرستها تماماً. التفت ليا، ونبرة صوته اتغيرت 180 درجة، بقت مليانة هدوء وأدب:

“يا أستاذ.. أنا أسف جداً بالنيابة عن اللي حصل. أنا اسمي طارق الشناوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة الشناوي للاستثمار العقاري.. يعني ببساطة، أنا صاحب الشركة اللي الأستاذة بتشتغل فيها. ممكن تقولي إيه اللي جابك هنا؟ وأنا هسمعك للآخر.”

​أنا نفسي اتسد، ومكنتش قادر أتكلم، بس الموقف كان أكبر مني. أخدت نفس طويل، وكنت بحاول أمنع دموعي إنها تنزل قدامهم. قلت بصوت مخنوق:

“يا فندم.. أنا اسمي أحمد. مراتي توفت من تلات أسابيع وهي بتولد بناتي دول، فريدة وليلى. أنا لوحدي تماماً من يومها، منمتش، ومشتت. جيت المول عشان أشري لهم هدوم لأن جسمهم بيكبر بسرعة. وفجأة البنتين عملوها في نفس الوقت وقعدوا يصرخوا. دخلت حمام الرجالة ملقتش أي ترابيزة لتغيير الحفاضات، دورت على غرفة رعاية أطفال ملقتش.. مكنش قدامي حل تاني. بناتي كانوا هيتسلخوا والوساخة مغرقاهم. دخلت هنا وأنا موطي راسي، ووالله العظيم ما بصيت يمين ولا شمال، وكنت بغير لهم بسرعة وعمال أعتذر لأي حد يدخل. الأستاذة دخلت، وبهدلتني، وقالت لي كلام وجعني في المحظور.. عايرتني إني راجل ومش عارف أربي بناتي، وقالت لي إن الأطفال محتاجين أم مش رجالة خايبة زيي.. وبعدين هددتني بلقمة عيشي وبسقفي اللي بيدايرني أنا وبناتي!”

​وأنا بتكلم، فريدة بدأت تعيط تاني بصوت واطي وموجوع، فبدأت أهزها براحة وأنا بطبطب عليها وإيدي لسه مرعوشة.

​البشمهندس طارق سمع كل كلمة، وملامح وشه كانت بتتحول من البرود للغضب الشديد. بص لمدام نجلاء اللي كانت واقفة زي التلميذ الخايب اللي اتمسك بيغش، وقالها:

“بقى هي دي الأصول والنظام يا مدام نجلاء؟ بتعايري راجل بظروفه وبموت مراته؟ وكمان بتستخدمي سلطتك واسم شركتي عشان تهددي مواطن وتطرديه من بيته؟ أنتي فاكرة نفسك ملكتي البلد؟”

​نجلاء بدأت تعيط بجد وتقول:

“يا فندم والله ما كنت أعرف ظروفه! أنا افتكرته واحد مستهتر.. أنا أسفة يا بشمهندس، أنا بشتغل في الشركة بقالي سبع سنين وعمري ما عملت مشكلة، أرجوك متقطعش عيشي!”

​طارق بصلها باحتقار وقالها:

“أنتي قطعتي عيشك بإيدك يا نجلاء. اللي مفيش في قلبه رحمة للبشر، ومفيش في قلبه إنسانية لأطفال يتامى وراجل مكسور، ملوش مكان في شركتي. الشناوي جروب مبتقومش على قلة الأصل والافتراء. أنتي من اللحظة دي وموقوفة عن العمل، وبكرة الصباحية تفوتي على الشؤون القانونية تستلمي قرار رفدك، والحسابات تقفل لك مستحقاتك.. ومش عايز أشوف وشك في أي فرع من فروع المجموعة تاني. اتفضلي من قدامي!”

​نجلاء حاولت تتكلم وتترجاه: “يا فندم أرجوك.. أنا عندي التزامات.. أقعد في البيت إزاي؟”

لكن طارق زعق فيها لأول مرة بصوت هز الممر كله: “قلت اتفضلي برة! وإلا هطلب لك الأمن يرميكي برة المول كله!”:#روايات_مشيره_محمد

​الست لمت شنطتها وجريت وهي بتعيط ومنهارة تماماً، الكبرياء والغرور اللي كانت لابة بيهم اتهدوا في ثانية سبحان الله.. الكرمة دارت وجابت حق بناتي اليتامى في نفس المكان وفي نفس اللحظة.

​أنا وقفت مذهول، مش مصدق اللي حصل. طارق التفت ليا تاني، وبص للبنات وابتسم ابتسامة خفيفة، وطلع من جيب بدلتة منديل وقدمهولي وقال: “امسح دموعك يا أبو فريدة وليلى.. الست دي غارت، ومفيش كلب يقدر يمس سقف بيتك طول ما أنا عايش. خذ وقتك وغير للبنات براحتك، وأنا واقف حارس برة على الباب لحد ما تخلص.”

​أنا حسيت إن ربنا بعتلي الراجل ده نجدة من السما. شكرته وصوتي بيترعش، ودخلت كملت تغيير للبنتين بسرعة والحمد لله هديوا وناموا في الحمالة. لما طلعت، لقيت البشمهندس طارق واقف فعلاً مستنيني، ومكنش لوحدي.. كان معاه اتنين من أمن المول، وشايلين في إيديهم شنط كبيرة.

​طارق قالي: “أنا خليت الأمن يجيبوا لك من الصيدلية الكبيرة اللي تحت كل أنواع البامبرز، والبودرة، والوايبس، وكام علبة لبن صناعي من النظيف للبنات.. واعتبر دي هدية بسيطة من عمهم طارق.”

​مشتش عارف أقوله إيه، لساني عجز تماماً عن الشكر. قلتله: “يا بشمهندس، حضرتك عملت معايا أكتر من الواجب بكتير، ورفدت الست دي بسببي، أنا مش عارف أودي جمايلك فين.”

​حط إيده على كتفي وقال بكلام كله رجولة وأصول: “يا أحمد، أنا أبويا الله يرحمه علمني إن الراجل بيبان في المواقف اللي زي دي. ومرتك الله يرحمها ويجعل مثواها الجنة، سابت لك أمانة كبيرة.. وأنت راجل وجدع عشان شايل الأمانة دي ومستحمل. الست دي مِشيت لأنها متستاهلش المكان اللي هي فيه، والشركة هتكبر لما تندف من الأشكال دي.”

​وبعدين طلع كارت شخصي من جيبه واداهوني وقالي: “ده رقمي الشخصي. شركتنا بتعمل مجمعات سكنية جديدة، وعندي وظايف كتير في قسم المحاسبة والإدارة، لو تحب تنقل شغلك لعندنا بمرتب محترم يوفر لك عيشة كريمة للبنات، كلمني من بكرة. ولو احتجت أي حاجة في أي وقت.. أخوك طارق موجود.”

​سلم عليا وباس البنتين من راسهم ومشي وسابني واقف في وسط المول، بس المرة دي مكنتش حاسس بالخوف ولا بالوحدة. كنت حاسس إن مراتي “نهى” روحها حواليا وبتدعيلي، وإن ربنا سبحانه وتعالى لما بيقفل باب، بيفتح مكانة أبواب من الرحمة والناس ولاد الأصول.:#روايات_مشيره_محمد

​خرجت من المول وأنا رافع راسي، ضامم بناتي لقلبي، وعندي يقين إن الدنيا لسه بخير، وإن الحق مبيضعش، واللي بيظلم ويتكبر.. بيقعد له في الدنيا قبل الآخرة.

تمت. مشيره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *