طلبو مني استحمي بغسل الميتين عشان اخلف... انا مبخلفش ورحت لبنت خالتي اللي خلفت ومانعرفش خلفت إزاي.. اتفاجئت بيها مرة واحدة بتقولي إن الحل مش سهل ولازم تضمن إني مش هقول، لأنها حاجة ممكن تودي في داهية، وعدتها إني مش هتكلم إطلاقًا، قالتلي كله بتمنه وإنها دفعت كتير عشان الحاجة دي، ولازم تاخد تمن المعلومة، عرضت عليها ألف جنيه ضحكت واستهزأت بيا، وقالتلي إنها عاوزة ده، عاوزة الشبكة بتاعتي كلها، كلامها صدمني وهي قالتلي: ـ ده التمن الوحيد عشان أقول السر اللي محدش يعرفه أبدًا عني.. فضلت أفكر وسألتها لو اللي عملته ده مجبش نتيجة، قالتلي إنها وقتها هترجع الشبكة، وفعلًا جبتلها الشبكة اللي تمنها ٥٠ ألف جنيه، جبتها وأنا مفيش قدامي أي حل تاني، وبدأت تقولي كارثة بالفِعل، قالتلي إن الست لو محملتش لازم تتخض خضة كبيرة، قولتلها أنام تحت القطر زي ما بسمع، ضحكت وقالتلي دي تخاريف، إنما اللي مش تخاريف هي المية، لازم تستحمي بالمية، بصتلها باستغراب وقبل ما أنطق قالتلي: ـ ماهي مش أي مية، دي مية الغُسل.. جسمي اتنضف لما سمعتها، قالتلي إن ده حل متجرب وإنها خلفت توأم بسببه، بس بشرط تخلي جوزها يستحمى بنفس المية بأي طريقة، وقالتلي عشان خاطرك هوصلك بالمُغسلة اللي بتبيع مية الغُسل وهحاسب كمان من معايا.. وقتها بس وقف تفكيري تمامًا، لأن أي إنسان عاقل مش هيعمل الجنون ده، وروحنا قابلنا الست اللي طلبت ٥ آلاف، ويارا حاسبتها وقالتلي إن دي نُقطة النونو اللي جاي في السكة، الكلمة دي بس اللي طمنتني كتير وخلتني أتحمل كل اللي هيحصل، وفعلًا بعد يومين قابلت الست وخدت منها جركن مليان مية لونها رمادي، مية اتغسلت بيها واحدة ميتة.. ورغم الرعب اللي كان جوايا إلا إني غسلت جسمي بيها، وحطيت منها في البانيو لجوزي عشان يغتسل بيها هو كمان، ونمت يومها وأنا بحمد ربنا إن كل حاجة عدت على خير، بس في نفس اليوم بالليل حنفية الحمام ضربت وصحينا لقينا الشقة كلها غرقانة مية، بس المية كانت رمادية مش مية عادية، مية ريحتها غريبة وتخنق.. جوزي قفل الحنفية المكسورة بالعافية وفضلنا طول الليل ننشف في السجاد ونمسح في الشقة اللي غرقت كلها، حاولت أتمالك أعصابي وأقول إن ده مش بسبب اللي عملته.. بس واضح إني كنت موهومة، لأني بقيت بصحا من النوم وأنا بشهق كل ليلة وأحلم إني بغرق في ترعة ميتها قذرة، وأفضل أشرب من المية القذرة دي لحد ما أصحا وأنا خلاص بتخنق وبموت، فضل الحلم ده يطاردني فترة طويلة أوي لحد ما حلمت بيه في ليلة وفضلت أشهق لحد ما حصلي اختناق..صحيت مفزوعه لقيت... لقيت نفسي.. عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. صحيت مفزوعة لقيت نفسي مش قادرة أتنفس، صدري مكتوم كأن في إيد حديد ضاغطة عليه. حطيت إيدي على رقبتي وأنا بعافر عشان أخد نفسي، وبصيت جنبي ملقتش محمود على السرير. الأوضة كانت ضلمة كحل، وريحة العفن والتراب اللي في مية الغُسل مالية المناخير، ريحة كأنها طالعة من ج/ثة محطوطة في قبر مكركب. قمت بالعافية، رجليا كانت بتتخشب تحت مني ومش شايلاني. مشيت خطوات بصعوبة ومسكت في الحيطة لحد ما وصلت لورقة الباب، فتحته بالبطيء وخرجت للصالة. النور كان مقطوع، بس ضوء الشارع الضعيف يدوب مبين الخيالات. سمعت صوت زئير خفيف جاي من ناحية الحمام، صوت مية بتتصب بغزارة ومحمود بيهدّس بكلام مش مفهوم. قربت من الحمام وأنا بترعش، الباب كان موارب، وضوء شمعة صغير بيرعش جوة. بصيت من الفتحة الصغيرة، لقيت محمود قاعد في البانيو المليان مية رمادية، نفس المية اللي غرقنا فيها قبل كدة! كان ماسك الليفة وبيكشط جلد جسمه بغل، بيكشط بضوافره لحد ما الدم بدأ يختلط بالمية الرمادية وهو مش حاسس، وعينيه متثبتة على السقف ومش بيرمش، وعمال يكرر بصوت واطي ومبحوح كأنه مش صوته: ـ "الميت مش بياكل.. الميت مش بيحس.. الميت عاوز حق المية." صرخت بصوت مكتوم وحطيت إيدي على بؤي، كأن المية اللي استحمى بيها شربت عقله. هربت على الأوضة وأنا بكي، مسكت التليفون وإيديا بترتعش، اتصلت بيارا. الرنة طولت لحد ما ردت بصوت تقيل كأنها كانت نايمة: ـ "في إيه يا ندى على الصبح؟ حد يصحى حد الساعة أربعة الفجر كده؟" قعدت أعياط وأنا بهمس: ـ "يارا الحقيني! محمود اتجنن.. الحمام فيه مية رمادية وبيجرح في جسمه وبيقول كلام يخوف! المية دي فيها حاجة يا يارا، أنتي عملتي فيا إيه؟ ترجعيلي الشبكة وتيجي تاخدي قرفك ده من هنا!" سمعت ضحكة خفيفة طالعة من الناحية التانية، ضحكة باردة خلت شعر جسمي يقف. يارا غيرت نبرة صوتها وبقت تتكلم بهدوء مرعب: ـ "أرجعلك إيه يا ندى؟ الشبكة راحت خلاص.. وبعدين أنتي فاكرة إن الموضوع بالسهولة دي؟ هو أنا قولتلك خضة وسكت؟ المية دي مش مية عادي يا حبيبتي.. دي مية ست ماتت وهي مغلولة، ماتت وفي بطنها عيل، والمُغسلة دي بتسحب روح الميت في المية وتبيعها للغلبانة اللي زيك عشان تشتري حتة عيل." دموعي نزلت بغزارة وسألتها وأنا بفقد القدرة على التفكير: ـ "أنتي بتقولي إيه؟ يعني إيه روح ميتة؟ أنتي خلفتي توأم إزاي يا يارا؟" ـ "خلفتهم بس مش بتوعي يا ندى.. التوأم دول مش بني أدمين طبيعيين، دول حراس الدين اللي بعتهولي عشان أطعمهم من عافيتي.. أنتي لبستي خلاص، والـ ٥٠ ألف بتوع الشبكة كانوا ثمن الدخلة، دلوقتي فاضل ثمن الخلفة.. لازم تدي المية حقها." ـ "حقها إيه؟ أنتي كدابة ومجنونة!" ـ "حقها روح قصاد روح.. المية مش هترتاح إلا لما تاخد اللي اتغسلت بيه، يا تاخد جوزك يا تاخدك أنتي." السكة اتقفلت في وشي. التليفون وقع من إيدي على الأرض. الصوت في الحمام سكت تمامًا. الشقة كلها بقت في حالة سكون مرعب، أطول وأتقل سكون عديت بيه في حياتي. بدأت أسمع خطوات رجلين مبلولة بتتحرك في الصالة، تقيلة وبيصاحبها صوت تكتكة ضوافر على الأرض. الباب بتاع الأوضة اتفتح بالبطيء، وظهر محمود. ماكانش محمود اللي أعرفه. عيونه كانت بيضا تمامًا، النني اختفى، وجلده كان مشقق ونازل منه مية رمادية مخلوطة بدم، وكان ماسك في إيده سكينة المطبخ الكبيرة. وقف عند الباب وبصلي، أو بالحرى بص في الاتجاه اللي أنا فيه، وقال بصوت متسجل كأنه جاي من بئر عميق: ـ "هي عاوزة العيل.. والعيل محتاج دم عشان يكبر في بطنك.. قالي هاتي دمه." صرخت بكل ما فيا: ـ "محمود! فووووق! ده أنا ندى! استهدي بالله يا محمود!" بدأ يتحرك ناحيتي بسرعة مش طبيعية، زي مسخ بيزحف. اتنطرت من على السرير ونطيت ناحية الباب، خبطت في كتفه واستغللت إنه مش متوازن وجريت على الصالة. كان بيجري ورايا وهو بيصرخ صرخة مش بشرية، صرخة ست بتستغيث تحت المية! جريت على باب الشقة، حاولت أفتح الأكرة لكن كانت معصلجة، المية اللي أغرقت الشقة خلت الخشب يفيش والبوابات تقفل. كان خلاص على بعد خطوات مني، يرفع السكينة فوق رماحه عشان يغرسها في صدري. في لحظة الفزع دي، افتكرت كلام يارا: "الست لازم تتخض خضة كبيرة.. عشان تحمل." لقيت طفاية حريق صغيرة محطوطة جنب الباب، مسكتها بكل القوة اللي فاضلة فيا، وقبل ما ينزل بالسكينة، ضربته بيها في ركبته. سقط على الأرض وهو بيصرخ بحدة، واستغليت الفرصة وضربت أكرة الباب بجسم الطفاية لحد ما الكالون اتكسر، وفتحت الباب وخرجت أجري في السلم وأنا بصرخ بعلو صوتي في العمارة: ـ "الحقووووني! يا ناس الحقوني!" الجيران بدأوا يفتحوا أبوابهم بذهول واستغراب، وأنا وقعت على درجات السلم وأنا بنزف من رجلي وبتقيأ مية رمادية ريحتها زفرة. الناس اتجمعت حوليا، وطلعت الشباب جابوا محمود اللي كان فاقد الوعي وغرقان في دمه وميته على أرضية الصالة. نقلونا إحنا الاتنين للمستشفى. قعدت هناك أسبوع كامل تحت الملاحظة. محمود فاق بعد يومين، بس كان فاقد الذاكرة عن كل اللي حصل في الليلة دي، مش فاكر غير إنه استحمى ودخل ينام، وكان جلده كله التهابات وحروق كيميائية غريبة بسبب المية اللي اشترتها يارا من المُغسلة. أما أنا.. فكانت الصدمة الأكبر في انتظارنا لما دكتورة النساء دخلت عليا الأوضة وابتسامتها عريضة، ماسكة في إيدها تقرير الأشعة والتطاليل. قالتلي ببهجة: ـ "الف مبروك يا ندى.. أنتي حامل، في الأسبوع الرابع!" محمود اتفاجئ وفرح، ومسك إيدي وهو بيدمع ومدمع ومش فاهم الكابوس اللي مرينا بيه، لكن أنا.. أنا قلبي اتعصر من الرعب. بصيت لتقرير الأشعة، الدكتورة كانت كاتباه بحسن نية، بس أنا قريت السطور الصريحة: "وجود كيس حمل غريب الشكل، ونبض الجنين يتسارع بطريقة غير منتظمة." بعد ما خرجنا من المستشفى بكتير، اكتشفت إن يارا اختفت تمامًا. لما سألت خالتي عنها، خالتي بكت وقالتلي إن يارا اتصابت بمرض عقلي مفاجئ، ونقلوها مستشفى العباسية بعد ما حاولت تغرق عيالها التوأم في طبق الغسيل وهي بتقول إنهم مش ولادها، دول ولاد المية اللي عاوزين يرجعوا للقبر. دلوقتي، أنا في الشهر الخامس من الحمل. بطني كبرت بشكل مش طبيعي، أكبر بكثير من أي ست حامل في الشهر الخامس. وكل ليلة، لما محمود ينام، بفضل قاعدة في الصالة، سامعة صوت مية بتنزل من حنفية الحمام، وبحس بحركة غريبة وعنيفة جوة بطني.. حركة مش حركة طفل بيتولد، دي حركة إيدين صغيرة بتخبط في جدار بطني، عاوزة تطلع.. عاوزة ترجع للمية الرمادية. وعرفت متأخر جدًا.. إن التمن اللي دفعته ماكانش الـ ٥٠ ألف بتوع الشبكة.. التمن الحقيقي هو الروح اللي بتكبر جوايا، اللي مش عارفة لما تخرج للدنيا.. هتكون بني آدم.. ولا كابوس ماليش مخرج منه. 👇 تمت #قصص_حب #دراما #رواية_مصرية #مشيره_محمد صلوا على الحبيب المصطفى ❤️