روايات مشيره محمد وقفت مكانِي مش قادرة أستوعب. رجليه بتتحرك! الراجل اللي الكل بيتعامل معاه في البيت على إنه خلاص انتهى وبقى مجرد كرسي متحرك وهيكل عظمي لازمة، بيحرك رجليه بمنتهى السلاسة! طارق بيه بصلي بنظرة حادة، فيها مزيج بين الخوف والرجاء، وقال بصوت واطي ومبحوح: "يا رحاب، أنا عارف إنك مصدومة.. بس طمنيني الأول، الموبايل اللي في إيدك ده مش شغال تسجيل ولا بتصوري؟" نزلت إيدي بالراحة وقلتله ونفسي مقطوع: "لا والله يا طارق بيه.. أنا بس اتخضيت. حضرتك بتتحرك؟ أمال ليه يوهمو الناس والمستشفيات إنك مشلول؟ وليه سايب أهلك يتعاملوا معاك كده؟" اتنهد بوجع، وغمض عينيه لحظة كأنه بيفتكر ليلة الحادثة، وقال: "من 8 شهور، عربيتي اتقلبت بيّا على طريق السخنة.. التقرير الطبي الأولاني قال إن عندي كسر في الفقرات وقطع جزئي في النخاع الشوكي، وإن فرصة مشيي تاني معدومة. في الأول صدقت، واستسلمت للموت وأنا حي. بس من شهرين، بدأت أحس بكهرباء بتسري في صوابعي، شكشكة غريبة.. تواصلت مع دكتور كبير في ألمانيا في السر، تبعتله الأشعة الجديدة من وراهم، قاللي إن القطع كان مجرد التئام ضاغط على العصب، وإن جسمي بيستجيب للعلاج الطبيعي بسرعة، وممكن أمشي على رجلي عادي جداً!"#حكايات_مشيره_محمد قربت منه خطوة وسألته بدهشة: "طب وليه مداري؟ ده المفروض خبر يترد فيه الروح! يفرحوا لك!" ضحك ضحكة مكسورة مليانة مرارة وقال: "يفرحوا؟ أنتِ طيبة أوي يا رحاب.. الحادثة مكنتش قضاء وقدر. عربيتي اتلعب في فراملها! ولما قعدت على الكرسي ده، شفت الوشوش الحقيقية. أخويا تامر اللي مربيه على إيدي، ومراته جيهان، وحتى أمي الحاجة إلهام.. الكل بقى يتعامل معايا كإني عالة، بس في نفس الوقت ممتلكاتي وشركتي نازلين فيها نهب وسرقة! تامر حاطط إيده على كل عقود الشركة، وبيحاول ياخد توكيل عام مني بحجة إنه بيدير أملاكي عشان أنا مريض ومقدرش أتحرك. لو عرفوا إني خفيت، مش بعيد يخلصوا عليا بجد المرة دي!" كلامه نزل عليا زي الصاعقة. افتكرت نفسي.. افتكرت مصطفى وجشع أمه الحاجة فاطمة، لما استغفلوني وراموني بعد ما خدوا أحلى سنين عمري. حسيت إن وجع طارق هو نفس وجعي، بس على أكبر وأخطر. قلتله بثبات: "أنا معاك يا طارق بيه. قوللي أعمل إيه وأنا هعمله.. أنا أبايا الله يرحمه علمني إن الحق لازم ينصر، وأنا شفت الظلم بعيني ومش هسمح بيه يتكرر قدامي." طارق بصلي بامتنان، وعينيه ألمعت بدفء غريب وقال: "أنا اخترتك أنتِ بالذات لأن صاحبتك في الكورس قالتلي إنك أمينة وعندك أصل وخبرة مع والدك.. من بكرة، أنتِ هتكوني عيني وودني في البيت ده. هتمثلي قدامهم إنك بتمريضيني وتساعديني كإني عاجز تماماً، وفي السر.. هتبدأي معايا جلسات العلاج الطبيعي المكثفة في الأوضة دي بعد ما الكل ينام!" مرت الأيام، وبدأت الخطة. كنت كل يوم الصبح أخرج للصالون أعمل نفسي شايلة طارق بيه بالعافية، وأقعده على الكرسي. تامر أخوه كان يدخل المكتب وهو حاطط رجلاً على رجل، ويقول بنبرة تعالي وسخرية: "صباح الخير يا طارق.. هاه، مش ناوي توقع بقى على التوكيل ده؟ المحامي جاهز، والشركة محتاجة قرارات سريعة. أنت عارف إن عملاء ألمانيا عايزين يلغوا العقود لو ما استلموش الإدارة الجديدة!" طارق كان بيمثل الضعف بإتقان، يوطي راسه ويقول بصوت مرتعش: "سيبني يا تامر دلوقتي.. أنا تعبان ومخي مش قادر يفكر. لما أروق هشوف الموضوع ده." مراته جيهان تدخل تتنعرف وتضرب بوز: "يا طارق بيه، إحنا بنعمل كل ده عشان مصلحتك! أنت خلاص بقيت محتاج راحة تامة، وتامر كتر خيره شايل الحمل عنك.. ولا أنت عاجبك القعدة دي والمصاريف اللي طالعة للممرضة والأدوية؟" كنت بكون واقفة جنب الكرسي، كاتمة غيظي بالعافية. جيهان دي كانت تعاملني بتكبر شديد، كإني خدامة في البيت، وكل شوية تفتش في الأكل والأدوية اللي بجددها لطارق. أما الحاجة إلهام، أمهم.. فكانت أعجب واحدة فيهم! ست كبيرة في السن، بس قلبها أسي ومتحجر. كانت دايماً تقول لطارق: "يا ابني اسمع كلام أخوك الصغير.. أنت خلاص أديت دورك في الحياة، سيب الجمل بما حمل لتامر يعيش حياته، أنت مالك ومال الشغل والشركات دلوقتي؟ أنت تدور على آخرتك!" تخيلوا! أم بتقول لابنها الحي أنت خلاص مت وسيب مالك لأخوك! في الليالي، لما البيت كله ينام ويهدأ الكومباوند، كنت بقفل باب جناح طارق بالمفتاح. نبدأ الجلسات. أساعده يعمل تمارين المقاومة، أفرك عضلات رجليه بالزيوت والمياه الدافية، وأسنده عشان يقف على حيله. في الأول، كان بيقف وهو ماسك في كتفي، وجسمه كله بترعش من المجهود والوجع. "شد حيلك يا طارق بيه.. خطوة خطوة، أنت أقوى من كده." كان يبصلي ويعرق، ويقول وهو بيجز على سنانه: "عشانك يا رحاب.. وعشان آخد حقي من كل واحد استغل ضعفي." ومع الأيام، مش بس رجليه اللي كانت بتشفى.. روحنا إحنا الاتنين كانت بتترد لينا. كنا بنقعد بعد التمرين نتكلم بالساعات. حكيتله عن مصطفى، وعن سنين خدمتي لفتفتة عيش من غير تقدير، وعن كلمة حماتي اللي ذبحتني: "الست هي اللي بتقفل على نفسها". طارق مسك إيدي بكتفيه المرة دي مش عشان يسند، لكن عشان يطمني وقاللي: "أنتِ ست بمليون راجل يا رحاب. اللي يفرط في واحدة زيك يبقى أعمى وجاهل.. اللي عملتيه معايا ومع أباكِ يدل إن جواكي دهب صافي." كلامه كان بيداوي جروحي القديمة، وبدأت أحس إن وجودي في البيت ده مكنش مجرد شغلة بمرتب كبير.. ده كان ترتيب ربنا عشان نرد لبعض الروح. بعد شهرين من الشغل والتدريب الخفي، طارق بقى بيقدر يمشي في الأوضة من غير ما يتسند على حد! كان بيمشي بثبات، ويدرب نفسه على استعادة توازنه كاملاً. وف يوم، وجت اللحظة الحسم. كنت نازلة المطبخ بالليل جيب مية لطارق، سمعت صوت وشوشة جاي من الصالون الصغير. قربت بالراحة واستخبيت ورا الستارة. كان تامر ومراته جيهان قاعدين مع المحامي بتاع العيلة. تامر كان بيتكلم بعصبية: "الموضوع زاد عن حده! طارق كل ما أقوله توكيل يماطل.. والدكاترة بتقول حالته مستقرة ومش هيموت قريب. أنا كدة هفلس، والشركة فيها ميزانية بمليون دولار لازم تتحول لحسابي قبل التفتيش المالي الشهر الجاي!" جيهان ردت بلؤم وخبث: "يبقى مفيش غير الحل القديم يا تامر.. نقط نقط الأنسولين اللي الدكتور حذر منها! نلعب في جرعة العلاج بتاعته بالراحة، يجيله هبوط حاد، ويبقى مات بمضاعفات حالته! وإحنا الورثة الشرعيين مع أمك!" المحامي قال بخوف: "يا جماعة دي جثة.. لو حد شك ولا الممرضة لاحظت حاجة هنروح في داهية!" تامر قال ببرود: "الممرضة دي جاهلة وغلابة، أديها أسبوعين مرتب زيادة وأرميها بره الفيلا.. المشكلة في أمي، لازم تنيموها خالص الأيام دي." جسمي كله اترعش من البشاعة! نزلوا لدرجة القتل عشان الفلوس والشركات! طلعت الأوضة جري، ونفسي مقطوع. قفلت الباب وحكيت لطارق كل كلمة سمعتها. طارق وشوه اتغير، ومعالم وجهه تحولت لصلابة من حديد. عينيه لمعت بجمود وقال: "خلاص.. الأقنعة وقعت بالكامل. اللعبة انتهت يا رحاب." سألته بخوف: "هنعمل إيه؟ نبلغ الشرطة فوراً؟" ابتسم ابتسامة غامضة وقال: "لا.. الشرطة هتيجي، بس لما أخليهم ينطقوا بكل حاجة قدام الكل. بكرة الجمعة، تامر دايماً بيعمل اجتماع عائلي بحجة إن المحامي يطمن على صحتي. هنسيبهم يلعبوا كارتهم الأخير.. وهنرد إحنا بالقاضية!" جيه ثاني يوم. الجمعة. البيت كان مشحون بالتوتر. جيهان كانت رايحة جاية في المطبخ، وعملت بنفسها عصير للطارق، شفتها وهي بتحط فيه نقط من أزازة صغيرة كانت مخبياها في جيبها. أخدت العصير منها وأنا مثلت الهبل: "تسلم إيدك يا جيهان هانم.. هطلعه لطارق بيه فوراً." طلعت الأوضة، ودلقت العصير في الحوض، وحطيت بداله عصير تاني خالص. ساعة العصر، اتجمع الكل في صالون الفيلا الكبير. تامر، جيهان، الحاجة إلهام، والمحامي. أنا نزلت وأنا زاقة الكرسي المتحرك، وطارق قاعد عليه، راخي جسمه وممثل الضعف وقلة الحيلة كالعادة. تامر وقف وقال وهو بيظبط جاكيتته: "يا طارق.. المحامي أهو معانا، وأمي قعدة أهية. إحنا لازم نخلص موضوع التوكيل وإدارة الشركة بكرة الصباح. أنت صحتك بتتدهور، وأنا مش هفضل متكتف والشركة بتضيع!" الحاجة إلهام قالت بنفس القسوة: "وقع يا طارق يا ابني.. ريح نفسك وريحنا." طارق بص لتامر وقال بصوت ضعيف ومقطع: "أنت مستعجل أوي يا تامر.. هو أنت خايف الشركة تضيع، ولا خايف التفتيش المالي ينكشف؟ ولا خايف إني أعيش وأعرف مين اللي بوظ فرامل عربيتي على طريق السخنة؟" الصالون كله سكت سكتة موت! تامر اتوتر ووشه أصفرّ وقال: "أنت بتقول إيه يا طارق؟ أنت عقلك جرى له حاجة من القعدة؟ خرفات إيه دي!" جيهان اتدخلت بسرعة: "شايفة يا حاجة إلهام؟ ابنك طارق مخه اتأثر بالأدوية، ولازم يتحجر عليه فوراً!" في اللحظة دي، طارق بصلي وابتسم ابتسامة هادية جداً.. وقال بثبات: "رحاب.. شيلي الكرسي ده من قدامي، مابقتش محتاجه." تامر وجيهان والأم بصوا بذهول.. طارق حط إيديه على مقعد الكرسي.. وفجأة، وقف على حيله! وقفة راجل كامل، صلب، قوي، مفيش في جسمه أي أثر للعجز! الكل اتنطط من أماكنه! جيهان صرخت وغطت بقها، تامر رجع خطوة لورا وكأنه شاف عفريت، والحاجة إلهام فتحت بقها ومش قادرة تتنفس! طارق مشي خطوتين بثبات وقوة، وقرب من تامر أخوه، وبص في عينيه مباشرة وقال بصوت يزلزل القاعة: "إيه؟ مصدوم يا تامر؟ زعلان إني قمت على رجلي؟ مش قادر تصدق إن النقط اللي مراتك حطتها في العصير النهاردة مندلقتش في زوري؟" تامر بدأ يرعش ويأتأت: "طـ.. طارق! أنت.. أنت بتتحرك؟ إزاي؟" طارق طلع موبايله من جيبه وشغل تسجيل صوتي.. صوت تامر وجيهان والمحامي بتاع بالليل وهما بيتفقوا عليا وعلى قتله وعلى السرقة! الصوت كان واضح ورنان في الفيلا كلها. الحاجة إلهام وقعت على الكنبة وهي بتلطم: "يا فضيحتي! يا لهوي يا تامر! أنت كنت عايز تموت أخوك؟" طارق بص لأمه بمرارة شديدة وقالها: "وأنتِ يا أمي.. أنتِ اللي بعتيني وأنا حي! قسيتي عليا ورخصتيني عشان تدلعي ابنك الصغير وتدي له تعبي وشقايا! كلكم بعتوني!" وفجأة.. الباب الخارجي للفيلا اتفتح، ودخل قوة من الشرطة ومعاهم ضباط المباحث. طارق بص للظابط وقال: "تفضل يا فندم.. التسجيلات والمستندات وعينة العصير المسموم كلها جاهزة. التهمة التخطيط للقتل العمد، والتزوير، والشروع في القتل." تامر وجيهان بداوا يصرخوا وينكروا، والشرطة كلبشتهم وأخدتهم هما والمحامي، والحاجة إلهام كانت بتصرخ وبتترجا طارق يسامحهم، بس طارق أدالها ظهره بجمود وقال للظابط: "القانون ياخد مجراه مع الكل.. مفيش حد فوق الحساب." بعد الكابوس ده ما انتهى، الفيلا فضيت وهديت تماماً. قعدت مع طارق في الجنينة، الشمس كانت طالعة ودافية. طارق بصلي وقال بابتسامة ناصعة: "رحاب.. أنتِ غيرتي حياتي. لو مكنتيش دخلتي البيت ده في الوقت المناسب، مكنتش أعرف كان هيجرى لي إيه. أنتِ مش بس عالجتي جسمي، أنتِ رجعتيلي ثقتي في الدنيا وفي الناس." ابتسمت وقلتله براحة: "ده واجبي يا طارق بيه.. والحمد لله إن الحق ظهر وإن ربنا نجاك." طارق مسك إيدي، والمرة دي بنظرة حب حقيقي وتقدير صافي وقال: "بلاش 'بيه' دي تاني يا رحاب.. المرتب والفلوس اللي ات اتفقنا عليها دي كنسليها خالص. أنا مش عايزك تبقي ممرضتي ولا مرافقتي.. أنا عايزك تبقي شركتي وحبيبتي وزوجتي. عايز أبدأ معاكِ حياة جديدة، حياة نكون فيها سند لبعض بجد." في اللحظة دي، افتكرت كلام حماتي القديمة الحاجة فاطمة وهي بتقوللي بشماتة: "لما تقعدي لوحدك وتدوقي المر، هتعرفي إن اللقمة بره غالية والتُمن كبير!" ابتسمت بكرامة وشموخ وقلت في سري: "اللقمة بره مش غالية يا فاطمة.. اللقمة بالعزة والكرامة تسوى الدنيا وما فيها، وربنا لما بياخد حاجة مزيفة من إيدك، بيبدلك بيها كنز حقيقي يصونك ويشيلك فوق الراس." وبصيت لطارق وقلتله بثبات وابتسامة صافية: "وأنا موافقة يا طارق.. نبدأ سوا من جديد." تمت.. مشيره محمد