كامله
قال طفل فقير لرجل أعمال ثري: “هغسل رجلين بنتك، وهترجع تمشي”، فضحك الرجل في وجهه وسخر منه، لكنه بعد دقائق تجمد مكانه عندما قالت ابنته المشلولة جملة جعلت قلبه يرتجف.
لم يكن فؤاد السيوفي ينام ليلة كاملة منذ عامين، رغم أنه يملك قصرًا ضخمًا في التجمع الخامس، وشركات، وسيارات، وأموالًا تكفي أن يشتري بها كل ما يريده الناس.
لكن المال لا يشتري خطوة واحدة لطفلة لا تستطيع الوقوف.
كانت ابنته الوحيدة ملك، طفلة في الخامسة من عمرها، تجلس على كرسي متحرك منذ أن أصابها التهاب شديد في المخ أثر على حركة ساقيها، ومن يومها صار القصر كله يتحرك حول كرسي صغير ووجع كبير.
أحضر لها فؤاد أفضل الأطباء من القاهرة والإسكندرية ودبي، ودفع مبالغ لا تُعد، وكل طبيب كان يخرج من غرفة الكشف بنفس الوجه الحزين ونفس الجملة القاتلة: “الأمل ضعيف جدًا”.
في صباح يوم ثلاثاء، كان فؤاد يستعد لأخذ ملك إلى موعد جديد في مستشفى خاص، مجرد موعد آخر من سلسلة طويلة من الإحباط، عندما لمح طفلًا صغيرًا واقفًا عند بوابة القصر.
كان الطفل في الثامنة تقريبًا، بشرته سمراء من الشمس، يرتدي قميصًا أحمر باهتًا، ويمسك كيسًا صغيرًا فيه أعشاب ملفوفة في قماش.
كان ينظر إلى الكرسي المتحرك بعينين ثابتتين، لا فيهما خوف ولا فضول، كأنه جاء لأمر محدد.
همّ السائق بإغلاق الباب، لكن الطفل اقترب من نافذة السيارة وقال بصوت هادئ: “يا باشا… ممكن أكلم حضرتك دقيقة؟”.
أنزل فؤاد الزجاج بضيق، وقال: “عايز إيه يا بني؟ أنا مستعجل”.
نظر الطفل إلى ملك، ثم قال بثقة غريبة لا تناسب عمره: “أنا أقدر أغسل رجلين بنت حضرتك، وهي هترجع تمشي”.
انفجر فؤاد ضاحكًا، ضحكة قاسية خرجت من وجع لا من فرح، ثم قال: “إنت فاكرني أهبل؟ أنا صرفت ملايين على دكاترة، تيجي إنت تقولي تغسل رجليها وتمشي؟”.
لم يتغير وجه الطفل، فقط قال بهدوء: “أنا مش نصاب يا باشا، وجدتي كانت بتداوي الناس في بلدنا، وعلّمتني مساج بالأعشاب بيصحّي العصب لو لسه فيه حياة”.
ضحك فؤاد مرة أخرى، لكن ضحكته ضعفت عندما رأى عيني الطفل، لم يكن فيهما طمع، ولا خوف، ولا محاولة تسول، بل يقين غريب جعل الرجل يتوقف لحظة.
في تلك اللحظة، مالت ملك إلى الأمام على كرسيها، ونظرت إلى الطفل باهتمام لم تظهره منذ شهور.