عايشه فى خيرى
- ”قوموا يا عيال نمشي، القعدة هنا تضايق، البيت ملوش طعم ولا ريحة، الشقة خرم إبرة ومفيش حتة تقعد فيها عدل.”
مشوا.. سابوني وسط المقتنيات والكراكيب، وسابوا طارق قاعد بيلعب في تليفونه ومستني العشا!
قعدت على الأرض في الصالة، وبصت للبيت اللي بقى زي الخرابة.
افتكرت نهى.. افتكرت لما كانت تصحى من الساعة ستة الصبح، تمسح الشقة، وتبخرها بريحة اللافندر، وتعملي فطار صغير، وتحط الوردة اللي قطفتها من البلكونة على الترابيزة. افتكرت لما كنت أرجع من الشغل ألاقي الهدوم مكوية، والبيت يلق، والسفرة مفروشة بـ أشكال وألوان، كنت فاكر إن ده بيحصل بـ “الريموت كنترول”! كنت فاكر إن فلوسي هي اللي بتعمل كده! أتاري فلوسي ما كانتش تجيب ربع التعب والروح اللي نهى كانت بتحطهم في البيت ده!
بصيت لطارق وقولت له بجمود:
- ”طارق.”
- ”إيه يا ماجد؟”
- ”أنت قسط تليفونك الشديد جه، وأنا ما حيلتيش فلوس أدفع.”
- ”يعني إيه يا ماجد؟ أنت مش قولتلي البيت بيتك وأنا سندك؟”
- ”أنا سند نفسي بالعافية يا طارق! أنت بقالك شهر هنا، لا نزلت تدور على شغل ولا نيلة، ومقضيها نوم وطلبات وتريق على مراتي اللي كانت شايلانا! أنت تنزل تدور لك على سكن شبابي أو ترجع البلد لأمي.”
طارق اتنفض وقف بقلة أدب:
- ”أنا يا ماجد؟ أنت بتكرش أخوك عشان خاطر حتة ست مشت وسابتك؟ أومال فين الأصول والعزوة اللي بتتكلم عنها؟”
- ”العزوة اللي ما تحترمش بيتي وتصون كرامة مراتي تبقى عزوة مزيفة يا طارق! اتفضل لم هدومك.”
طارق لم هدومه وهو بيشتم ويهدد إنه هيقول لأمي. وفعلاً، مشي وراحت أمي مكلماني في التليفون تمسح بيا الأرض:
- ”أنت بتبدي مراتي على أخوك؟ أنت طالع لمين كده؟ طارد أخوك الصغير في الشارع عشان خاطر وحدة جاهلة خريجة معهد؟” رديت بنبرة مكسورة بس حاسمة لأول مرة في حياتي:
- ”يا أمي.. الجاهلة خريجة المعهد دي هي اللي كانت صاينا بيتك وشايلاكي وشايشالاني، وأنتِ وإخواتي دخلتوا بيتي وهنتوها وما حدش فيكم شال قشة عنها! طارق مش صاين حرمة بيتي ولا بيحترمني.. وأنا البيت ده بيتخرب فوق دماغي من يوم ما نهى مشت!” وقفلت السكة في وش أمي لأول مرة.
قعدت في الشقة لوحدي ليلة كاملة. السكوت كان بيصرخ.
افتكرت كلماتي ليها: “أهلك ناس على قدهم ومفيش من وراهم غير وجع الدماغ”.. “أنتي قاعد في خيرنا”.. “أخويا أولى من بطنك”.. “الباب يفوت جمل”.
كل كلمة كنت بتقولها كانت زي الس/كين اللي بغرزه في قلبها وهي ساكتة وتتحمل، لحد ما رصيد الصبر خلص.
تان يوم الصبح، لبست أنضف بدلة عندي، ونزلت.
اشتريت علبة شيكولاتة محترمة، وورد، وروحت على حارة صغيرة في حي شعبي بسبرا.. البيت اللي كنت بتكسف أروحه، البيت اللي كنت بقلل منه ومن ناسه.
طلعت السلم الخشبي اللي بيزيق. خبطت على الباب.
فتح لي أبوها.. راجل راجل كبير، إيده خشنة من الشغلانة البسيطة اللي بيشتغلها، بس بصه بصلابة وعزة نفس خلتني أطأطأ راسي.