بدر هلال

​أمه، الحاجة فاطمة، اتكلمت بصوت ضعيف جداً، ونفَسها مكتوم:

— بس هي ما عملتش كده يا بدر… مريم ما قدرتش.

​بدر بص لأمه بعيون مشتتة:

— أنتِ كنتِ عارفة يا أمي؟ كنتِ عارفة ومخبية عليا؟ كنتِ سايبة بنت الراجل اللي أنا دمرت حياته تعيش معاكي في نفس البيت؟ تحت سقف واحد؟ أنتِ متخيلة كان ممكن تعمل فيكي إيه؟

​فاطمة ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت:

— كانت ممكن تموتني بلمسة إيد يا بدر. أجهزة التنفس دي… أنبوبة المصل دي… دوا القلب ده… كلها حاجات كانت ممكن في لحظة تتغير أو تتشال، ودكاترتك العباقرة اللي بتدفع لهم ملايين كانوا هيقولوا “هبوط حاد في الدورة الدموية بسبب السرطان”، وما حدش كان هيشك في حاجة. بس تعرف هي عملت إيه لما دخلت الأوضة دي لأول مرة من أربع شهور وكانت لوحدها معايا؟

​بدر بص لمريم اللي كانت بتعيط بسكوت، وصمته كان بيصرخ بالأسئلة.

​فاطمة كملت وهي بتمسك إيد مريم بالراحة:

— دخلت وكانت ماسكة في إيدها سكينة المطبخ… كانت جاية تقتل أملك الوحيد في الحياة. كانت جاية توجع قلبك زي ما أنت وجعت قلبها. بس أنا ساعتها كنت في نوبة ألم شديدة، كنت ببكي وبصرخ وبقول “يا رب، ارحمني يا رب، أنا تعبت”. هي وقفت مكانها… السكينة وقعت من إيدها، وجريت عليا. بدل ما تحط السكينة في قلبي، حطت إيدها على راسي وبدأت تقرأ سورة يس وصوتها بيترعش. قعدت تمسح العرق من على وشي، وتدلك رجلي اللي كانت متخدرة من الكيماوي.

​مريم غطت وشها بإيديها وبكت بصوت عالي:

— أنا ما قدرتش… ما قدرتش أبقى مجرمة زيك! شفتها وهي بتتألم، شفت أم مالهاش ذنب في أي حاجة عملتها أنت في حياتك. شفت ست طيبة بتقول يا رب، افتكرت أمي الله يرحمها لما كانت بتتألم قبل ما تموت من حزنها على أبويا… لقيت نفسي مش قادرة أوجعها. لقيت إن لو قتلتها أو أذيتها، هبقى قتلت روح أبويا اللي كان دايماً يقولي “يا مريم، أوعي الطين يلوث نضيفك”.

​الكلمات كانت بتنزل على بدر زي الكرباج. الرجل اللي مفيش حد في الشارع يقدر يبص في عينه، كان واقف قدام البنت دي وحاسس إنه صغير جداً. الفلوس، الحراسة، السلاح، الملايين اللي في البنوك… كل ده ما يسواش حاجة قدام الطهارة والنقاء اللي في قلب البنت دي.

​بدر حاول يتماسك، ومشى خطوات ناحية الشباك، بص للحديقة الكبيرة والسيارات الفارهة والحراس المسلحين اللي مالين المكان، ورجع بص لمريم وصوته فيه نبرة دفاعية، نبرة رجل بيحاول يحمي كبرياءه المكسور:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *