بدر هلال

​مريم لفت بصت له، وابتسمت ابتسامة مليانة وجع واستحقار:

— عشان حق أبويا مش فلوس. حق أبويا كان إنه يعيش كرامته مرفوعة، وأنا كرامتي ما بتتشتريش بفلوسك. أنت فاكر إن كل الناس لهم ثمن يا بدر باشا؟ دي مشكلتك… افتكرت إن كل حاجة في الدنيا ليها تسعيرة. الحنان مالوش تسعيرة، والأمان مالوش تسعيرة، وراحة البال مش بتتباع في أظرف مقفولة.

​فاطمة نادت بصوت متقطع:

— مريم… ما تمشيش يا بنتي… خليكي جنبي.

​مريم بكت وجريت على فاطمة، قعدت على الركبتين جنب السرير ومسكت إيدها وبستها:

— يا حاجة فاطمة… أنا لازم أمشي. وجودي هنا خلاص بقى مكشوف، وأنا ما أقدرش أعيش في بيت فيه دم أبويا على إيد صاحبه. أنا سامحتك أنتِ لأنك ملاك، بس أنا مش هقدر أقف هنا أكتر من كده.

​فاطمة بصت لابنها بدر بعيون مليانة رجاء ودموع:

— لو ليا خاطر عندك يا بدر… لو كنت فعلاً بتحبني وعايزني أموت وأنا راضية عنك… ما تلمسهاش، وسيبها تمشي بكرامتها، ورجع لها حق أبوها.

​بدر كان واقف حاسس إن العالم كله بيتفكك حواليه. العظمة اللي بناها في عالم الجريمة، الهيبة اللي كانت بتخلي أعتا الرجال يترعشوا لما يسمعوا اسمه… كلها طارت وتبخرت قدام لحظة صدق واحدة بين أمه المريضة وبين بنت الراجل اللي ظلموه.

​بدر أخد نفس عميق، وطلع تليفونه من جيبه. اتصل برئيس حراسته.

صوته كان متغير، مكسور، بس فيه قرار حاسم:

— سيف… اسمعني كويس. مريم رضا القصاص طالعة من القصر دلوقتي. مفيش مخمور ولا حارس يتعرض لها بكلمة أو بنظرة. وتجهزلي ملف ورشة رضا القصاص القديم بكل تفاصيله، وتشوف مين اللي استولى على الأرض دي وتسترجعها بكرة الصبح وتكتبها باسم مريم رضا القصاص… ومبلغ خمسة مليون جنيه ينزلوا في حسابها كتعويض، مش ثمن لأبوها… تعويض عن اللي حصل.

​مريم بصت له بذهول وهزت رأسها:

— أنا مش عايزة فلوس منك!

​بدر بص للأرض وقال وهو مش قادر يرفع عينه فيها:

— دي مش فلوسك يا مريم… ده حق أباكي اللي اتقطع من قوت يومه. والفلوس دي مش هتغسل إيدي من الدم، ولا هتخليني بني آدم نضيف في عينيكي… بس دي أول خطوة عشان أقدر أنام بالليل من غير ما أسمع صوت أبوكي وهو بينزف.

​مريم بصت له لفترة طويلة. شافته لأول مرة مش كـ “رئيس مافيا” مرعب، لكن كـ “إنسان” مكسور ومحاط بأسوار من الفلوس والسلاح اللي ما حمتوش من الحقيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *