بدر هلال

​قامت مريم، وبست رأس الحاجة فاطمة:

— أدعيلي يا حاجة فاطمة.

​فاطمة بكت ودعت لها:

— ربنا يحميكي يا بنتي، وينور طريقك، ويسامح ابني على اللي عمله.

​مريم مشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب. لما وصلت عند العتبة، لفت وراها وبصت لبدر وقالت كلمتها الأخيرة:

— الفلوس ممكن تشتري لك حراس يحموا جسمك يا بدر باشا… بس عمرها ما هتشتري لك حد يحمي روحك لما تقف قدام ربنا. انتبه لأمك… هي مش محتاجة أجهزتك، هي محتاجة تراك جنبها.

​وخرجت مريم وسابت الباب مفتوح.

​الهدوء نزل على الأوضة تاني، بس المرة دي ما كانش هدوء مستشفى… كان هدوء تغيير كامل في حياة بدر هلال.

​بدر قرب ببطء من سرير أمه. قعد على الكرسي الصغير اللي كانت مريم قاعدة عليه. بص على الإيدين النحيلتين بتوع أمه، ولأول مرة من سنين طويلة… مسك إيدها بالراحة، وفرك أصابعها بإيديه.

​فاطمة بصت له ودموعها نازلة:

— بدر… إنت اتأخرت أوي يا ابني.

​بدر نزل رأسه على إيد أمه، ولأول مرة من يوم ما بقى راجل… بدر هلال بكي. بكي بدموع حارة وغزيرة، دموع غسلت كبرياءه وفتحت باب لقلبه اللي كان مقفول بالحديد والدم.

​— أنا آسف يا أمي… أنا آسف. أنا كنت فاكر إن كل حاجة بتتشرى… بس أنا أفقر واحد في الدنيا دي كلها.

​فاطمة حطت إيدها التانية على رأسه وبدأت تمسح على شعره بحنان:

— الحمد لله يا بدر… الحمد لله إنك رجعت بني آدم قبل ما أمشي.

​في الليلة دي، بدر ما سابش أوضة أمه. ما ردش على تليفونات الشغل، ما قابلش رجالته، وما اهتمش بالصفقات اللي كانت بتتسوى بمليارات. قعد جنبها، يقرأ لها قرآن، ويسقيها المية بيده، ويسمع حكاياتها القديمة عن أبوه وعن طفولته اللي نسيها في زحمة السلاح والنفوذ.

​وبعد أسبوعين… توفيت الحاجة فاطمة بسلام، وهي ماسكة إيد ابنها بدر، ومرتاحة لأنها شافت نبتة الخير اللي زرعتها بدموعها بتكبر في قلبه قبل ما تغمض عينيها للأبد.

​أما بدر هلال… فصورة مريم رضا القصاص وكلماتها فضلت محفورة في عقله. كانت الجرح اللي صحاه من غفيبته، والشرارة اللي خلاته يبدأ يتخلى عن عالم الجريمة خطوة بخطوة، للبحث عن طريق يتغسل فيه من دماء الماضي، ويعرف فيه معنى إن الإنسان يكون بجد… غني بقلبه مش بفلوسه.

تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *