بدر هلال

— مريم ما دخلتش بيتنا عشان تشتغل خدامة يا بدر… مريم هي البنت اللي أنت يتمت أبوه من عشر سنين عشان جانيت وما دفعش الأتاوة!

​الكلمة نزلِت على بدر زي الصاعقة. الهوا اتسحب من الأوضة في لحظة، وسكتت الأجهزة الطبية اللي كانت بتبث صوت منتظم ومزعج، كأن الوقت نفسه وقف.

​بدر هلال، الرجل اللي كلمة منه تهز السوق السوداء وتخوف أكتر رجال الأعمال نفوذًا، وقف مشلول مكانه. عيونه اتسعت وهو بينقل نظره بين أمه المريضة المستلقية على السرير وبين مريم، البنت اللي كان شايفها لحد دقايق فاتت مجرد ظل بيتحرك في القصر عشان ينظف ويروح.

​مريم كانت واقفة بتترعش، إيديها المكموشة في طرف المريول الأبيض مش راضية تثبت، والدموع اللي كانت محبوسة في عينيها نزلِت بانهيار، بس المرادي مش دموع خوف… كانت دموع قهر وسنين طويلة من الوجع.

​بدر قرب خطوة، وصوته خرج واطي، متحشرج، ومحمل بذهول مش متعود عليه:

— أنتِ… أنتِ بنت “رضا القصاص”؟

​مريم رفعت رأسها. لأول مرة، مكنش في عينيها نظر الانكسار اللي بيشوفه في عيون كل الشغالين في القصر. كان في بريق حداد قديم ووجع ما بينتهيش. بصت له وقالت بصوت مجروح بس ثابت:

— أيوه يا بدر باشا. أنا بنت رضا القصاص… الراجل الغلبان اللي ورشته كانت كل حيلته في الدنيا. الراجل اللي رجع البيت في يوم مضروب بالرصاص ومترمي قدام باب الشقة عشان رفض يوقع على تنازل للورشة لمصلحة رجالتك. الراجل اللي مات في حضني وأنا عندي طفل اتناشر سنة، وهو بينزف وبيقولي: “سامحيني يا مريم… مش قادر أحميكي”.

​بدر أخد نفس صعب، دماغه كانت بتلف. ذكريات سنين فاتت بدأت تتجمع في عقله زي صور متقطعة. “رضا القصاص”… اسم كان مجرد ملف قديم في بدايات صعوده لعالم المافيا والنفوذ. اسم راجل اتنسى بين عشرات الأسماء اللي قست قلبه عليها الظروف وشيطانه.

​رد بدر وهو بيحاول يرجع لهيبته اللي انهارت في ثواني:

— ولما أنتِ بنت رضا… داخلة بيتي ليه؟ شغالة في قصري ليه؟ وبقالك ست شهور بتنظفي وتحسبي خطواتك… كنتِ ناويالي على إيه يا مريم؟ مسمومة في أكل؟ رصاصة وأنا نايم؟ اغتيال بالبطيء؟

​مريم ضحكت، ضحكة مكسورة مليانة حزن ووجع، وهزت رأسها:

— أنت فاكر كل الناس بيفكروا بنفس الطريقة الوسخة اللي بتفكر بيها؟ فاكر إن كل الناس دمويين ورخاص زي عالمك؟ أقسم بالله يا بدر باشا، أنا لما جيت هنا من ست شهور ورشحتني واحدة صحبي بتشتغل في شركة الأمن اللي بتأمن القصر… جيت وأنا جواهيا نار بتبلغ السما. جيت وأنا ناوية أخد حق أبويا. كنت فاكرة إنك وحش، وإن القصر ده مقبرة، وإن عشان أوجعك لازم أرد لك الضرب بسلاحك.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *