بنشترى راجل
قدم ياسين خطوة ناحية الحاج متولي وقال وهو بينهج من كثرة الانفعال:
”يا عمي.. أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أي حاجة تطلبها عشان أثبت لك ولـ سلمى إني اتعلمت الدرس. اعتبرني عيل وغلط، بس ما تحكمش عليا بالإعدام من أول غلطة كبيرة.. اديني مهلة، اديني اختبار، أي حاجة بس ما تاخدهاش مني كده.”
الحاج متولي التفت له، ونظراته كانت جادة جدًا:
”أنت فاكر إن اللي عملته ده غلطة طايشة؟ ده طبع يا ياسين.. الاستهانة بالمشاعر لما تبقى عادة، بتبقى أسلوب حياة. أنت استخصرت فيها المهر الفعلي، واستخصرت فيها الكلمة الطيبة. عشان كده، مفيش رجوع النهارده.”
ياسين اتصدم:
”يعني إيه يا عمي؟ يعني خلاص؟”
الحاج متولي كمل كلامه:
”سلمى هتقعد هنا معايا. مش غضبانة، لكن في فترة إعادة حسابات. أنت هتخرج من الباب ده، ومش هتعتب البيت ده ولا هتشوف سلمى، إلا لما تحس من جواك إنك اتغيرت بجد. ومش بس كلام.. أنا عاوز أشوف راجل بيسعى وبيصون، مش واحد واخد كل حاجة بطفاسة ومفكر إن الدنيا سايبة.”
أبو ياسين اتنفس ببطء وقال:
”عندك حق يا حاج متولي.. ده عين العقل. ابني لازم يتعلم الأدب ويعرف قيمة النعمة.”
وبص لابنه وقال بصرامة:
”يلا بينا يا ياسين.”
ياسين بص لسلمى بعينين فيها ترجي، كان عاوزها تبص له، عاوزها تقول كلمة واحدة تبرد النار اللي في صدره، بس سلمى لفت وشها وادته ظهرها، ودخلت أوشتها وقفلت الباب بهدوء. الصوت بتاع قفلة الباب كان بالنسبة لياسين زي صوت قفل السجن.
خرج ياسين مع أهله، وطول الطريق في العربية ما حدش نطق كلمة. أبو ياسين كان بيسوق وهو ساكت، وأمه بتبكي في السر. لما وصلوا البيت، أبو ياسين وقفه عند الباب وقال له:
”من النهارده يا ياسين، مش هتدخل البيت ده ولا هتقعد على ترابيزتنا إلا لما تصالح مراتك وترجعها بكرامتها. أنت خيبت أملي فيك، والراجل اللي ما يعرفش يصون وليته، ما يلزموش بيت أبوه.”
قفل أبوه الباب في وشه!
ياسين لقى نفسه في الشارع، في نص الليل، وحيد مع أفكاره. القسوة دي كلها؟ هل كان يستاهل كل ده عشان مجرد “مزحة”؟ بس لما جلس على الرصيف وبدأ يراجع الشريط من الأول، افتكر عينين سلمى وهي بتبكي. افتكر كلامها: “رخصتم مهري فغدوت رخيصة في عينيه”. افتكر كم مرة هي حاولت تلمح له إن الكلام ده بيضايقها وهو كان بيضحك ويزود فيها. افتكر لما كانوا عند أصحابه وطلب منها المية وقال: “هاتي يا علبة البيبسي بدال ما أبدلك بكانز ثانية”.. افتكر الضحكات المتكتكة بتاعت أصحابه اللي كانت بتقتلها من جوه وهو فاكر نفسه دمك خفيف.