بنشترى راجل
في اللحظة دي، خرجت سلمى من الأوضة. كانت أرفع شوية، بس عينيها فيها نظرة أمل خفيفة. بصت لياسين وشافت الفرق الكبير بين الشاب الطايش اللي كان بيهزر بسبالة، وبين الراجل اللي واقف قدامها بكبرياء ونضج.
ياسين بص لسلمى وقام وقف، وقال بصوت ثابت ودافئ:
”سلمى.. أنا بعتذر لك قدام أباكي، وقدام ربنا قبل أي حد. بعتذر عن كل كلمة تجرح نُطقتها، وعن كل مرة قللت فيها من قيمتك وأنتِ جوهرة حياتي. أنا اتعلمت إن الست الطيبة الأصيلة زيّك ما بتقلش قيمتها بالمهر البسيط، بل بالعكس.. ده كرم من أهلها. وأنا استخدمت الكرم ده بغباوة. لو قبلتي ترجعيلي، أنا بوعدك إنك هتكوني الملكة في بيتي، وإن كلمتك وكرامتك هيبقوا قبل كرامتي أنا شخصيًا.”
ساد الصمت في الصالة، لكن المرة دي ما كانش صمت قاسي، كان صمت مليان مشاعر متلخبطة.
الحاج متولي بص لبنته وقال:
”القرار قرارك يا سلمى.. أنا ردت لك اعتبارك يوم ما حطيت العلب قدام أهله، والنهارده هو جه يدفع الثمن الحقيقي من شقاه وعرقه. أنتِ شايفه إيه؟”
سلمى بصت لأبوها وبعدين بصت لياسين. شافت في عينيه الصدق والندم الحقيقي، وشافت الراجل اللي تحب تتسند عليه طول عمرها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، صافية، وشالت الغل من قلبها وقالت:
”اللي تشوفه يا بابا.. بس بشرط واحد.”
ياسين اتنفس بسرعة وقال:
”شرط إيه؟ أنا موافق على أي شرط!”
سلمى بصت له بذكاء وابتسامة فيها لمحة مداعبة وقالت:
”المشروبات الغازية تتمنع من بيتنا تمامًا.. وما يدخلش بيتنا غير الشاي المصرور الساخن اللي يظبط الدماغ والاحترام!”
ياسين ضحك من قلبه، ضحكة صافية فيها راحة بعد طول عذاب، وقال:
”من بكرة هبني مصنع شاي لو تحبي! وحرمت المشروبات الغازية عليا وعلى عيلتي لآخر يوم في عمري!”
الحاج متولي ابتسم وقام وقرب من ياسين، حط إيده على كتفه وقال له:
”كده أنت أثبت إنك راجل بجد يا ياسين.. والراجل مش باللي بيدفعه، الراجل باللي بيصونه.”
واتجمعت العائلتين من جديد، بس المرة دي في أجواء مليانة احترام حقيقي وفهم لعمق العلاقات. ياسين اتعلم الدرس اللي ما ينساهوش طول حياته: إن كرامة شريكة الحياة هي خط أحمر، وإن التيسير في المهر هو بداعي المروءة، مش ترخيص لقيمة الإنسان. وعاشوا بعد كده في بيئة مبنية على المودة والرحمة والتقدير المتبادل، وصارت قصتهم درس بيتحكى في العيلة عن معنى “إننا بنشتري راجل”.