الدفن
روايات_مشيره_محمد
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مشيت من الدنيا، وما بقيتش قادرة أشرح لك بنفسي.
عارفة إنك هتزعلي مني، ويمكن تكرهيني، بس والله يا بنتي كل اللي عملته كان علشان أحميكي.
أنا عمري ما كنت فقيرة زي ما كنت بقول لك، لكن عمري ما كنت غنية كمان.
الفلوس اللي في الصندوق دي مش كلها بتاعتي، وفيها حق ناس لازم يوصل لهم.
خلي بالك من الدفتر البني، واقريه كله قبل ما تتكلمي مع أخوكي سامح.
أوعى تمضي على أي ورقة تخص البيت قبل ما تعرفي الحقيقة.
وأوعى تفتكري إن كل اللي بيعيط على الميت بيكون بيحبه، ولا إن كل اللي بيسكت بيكون ضعيف.
سامح هيجيلك، وهيطلب منك تبيعي البيت. ما توافقيش قبل ما تعرفي أنا كنت مخبية إيه.
ولو لقيتي المفتاح التاني، يبقى جه الوقت إنك تعرفي الحكاية من أولها.
سامحيني يا بنتي.»
وقفت عند آخر كلمة، وأنا حاسة إن قلبي بيتعصر.
سامحيني على إيه يا أمي؟
إنتِ عملتي إيه علشان تطلبي مني السماح؟
بصيت تاني جوه الصندوق، وبدأت أعد الفلوس.
كل ما أعد رزمة ألاقي غيرها.
وفي الآخر، لما حسبت المبلغ على قد ما قدرت، اكتشفت إن فيه مبلغ كبير جدًا، أكبر من كل اللي كنت أتخيله.
لكن اللي صدمني أكتر كان الدفتر البني.
فتحته من أول صفحة.
كان فيه تواريخ وأسماء ومبالغ مالية، بعضها صغير وبعضها كبير. اسم واحدة اسمها أم سيد، واسم راجل اسمه عم جابر، واسم بنت اسمها منى، وأسماء كتير ما أعرفهاش.
وقدام كل اسم مكتوب مبلغ، وأحيانًا جملة قصيرة.
«علاج أم سيد ـ باقي ١٥٠٠ جنيه.»
«إيجار بيت منى ـ مدفوع لست شهور.»
«عملية ابن عم جابر ـ ١٨ ألف جنيه.»
وقفت عند اسم منى بالذات.
أنا أعرف منى.
دي بنت جارتنا اللي مات أبوها وهي صغيرة، وأمها كانت بتشتغل في البيوت علشان تصرف عليها. منى دلوقتي متجوزة وعندها طفلين، وكنت فاكرة إن أمها هي اللي باعت دهبها علشان تجوزها.
طلعت ورقة من بين صفحات الدفتر، ولقيت مكتوب فيها:
«منى ما تعرفش إن مصاريف جهازها اتدفعت من فلوسي. خليها تفتكر إن أمها قدرت تساعدها، علشان ما تحسش إنها مديونة لحد.»
حطيت إيدي على بقي.
أمي كانت بتساعد الناس من وراهم؟
ليه؟
ليه تعمل كل ده، وفي نفس الوقت تقولي إنها مش لاقية تمن دوا الضغط؟
مسكت العلبة الصفيح الصغيرة وفتحتها.
كان فيها صورة قديمة لأمي وهي شابة، واقفة جنب راجل ما شفتوش قبل كده، وطفل صغير على كتفها.
قلبت الصورة، فلقيت مكتوب على ضهرها:
«أنا وإبراهيم وسامح، سنة ١٩٩٨.»
سامح؟
أخويا سامح كان طفل في الصورة، لكن مين إبراهيم؟
أبويا كان اسمه عبد الرحمن، ومات وأنا عندي سبع سنين.
مين الراجل ده؟
وليه أمي مخبية صورته؟
قعدت على الأرض، والدفتر في حضني، والصندوق مفتوح قدامي، وكل الأسئلة بتلف في دماغي.
وفجأة سمعت صوت خبطة قوية على الباب الخارجي.
اتخضيت، ولميت الأوراق بسرعة، لكن قبل ما أقدر أخبيها سمعت صوت سامح:
ـ يا هناء! افتحي، أنا عارف إنك جوه!
مسحت وشي بسرعة، وقفلت الصندوق، وحطيته في مكانه، ورجعت الصاج فوقه، وخرجت من الأوضة وأنا بحاول أبان طبيعية.
فتحت الباب.
سامح دخل من غير ما يستنى إذني، ومراته نهلة وراه، لابسة لبس خروج ومتزينة كأنها رايحة فرح مش جاية بيت أمها اللي لسه مدفوناش من كام يوم.
بص سامح حوالين الصالة وقال:
ـ إنتِ كنتِ فين؟ بقالي شوية بخبط.
قلت له:
ـ كنت بنضف أوضة أمي.
نهلة بصت لي باستهزاء وقالت:
ـ بتنضفي إيه يا حبيبتي؟ ده البيت محتاج مقاول يشيله من أساسه.
سامح قعد على الكنبة وقال:
ـ بصي يا هناء، أنا جاي لك في موضوع مهم. فيه واحد صاحبي شاف البيت وعجبه المكان، ومستعد يدفع فيه مبلغ كويس.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
الجواب.