الدفن
روايات_مشيره_محمد
أمي كانت عارفة إنه هييجي يطلب بيع البيت.
قلت له بهدوء:
ـ وإنت مستعجل ليه؟ أمي لسه مكملتش أسبوع على وفاتها.
اتنهد بضيق وقال:
ـ يا بنتي ما هو البيت مش هيطير. وبعدين إحنا أولى بفلوسه من الحيطان اللي هتقع علينا.
نهلة دخلت في الكلام وقالت:
ـ وبصراحة يا هناء، إنتِ مش هتعرفي تصرفي على البيت ده لوحدك. إنتِ حتى مصاريف الجنازة الجيران اللي دفعوها.
الكلمة نزلت عليا زي الصفعة.
بصيت لها وقلت:
ـ أيوه، الجيران دفعوا مصاريف جنازة أم جوزك، لأن ابنها ما كانش معاه فلوس يدفنها.
وش سامح احمر.
ـ إنتِ بتعايريني يا هناء؟
ـ لأ، بفكرك بس.
قام من مكانه وقال بعصبية:
ـ خلي بالك من كلامك. أنا أخوكي الكبير، والبيت ده ورثنا إحنا الاتنين، ومش من حقك تقرري لوحدك.
قلت له:
ـ وأنا ما قلتش إني هقرر لوحدي. بس مش هبيع دلوقتي.
نهلة ضحكت وقالت:
ـ أهو ده اللي ناقص! تكوني فاكرة إن أمك سايبة لك كنز تحت البلاط!
قلبي وقع في رجلي.
بصيت لها بسرعة، وهي كانت بتضحك، لكن عينيها كانت ثابتة على وشي، كأنها بتختبر رد فعلي.
سامح قرب مني وقال:
ـ هناء، أمي كانت بتخبّي أي فلوس في البيت؟
حاولت أتحكم في ملامحي.
ـ أمي كانت ست غلبانة يا سامح، إنت عارف ده كويس.
فضل باصص لي ثواني طويلة، وبعدها ابتسم ابتسامة ما ريحتنيش.
ـ تمام. خدي وقتك. بس أنا هرجع بكرة، وعايز رد نهائي.
خرجوا، وأول ما الباب اتقفل جريت ناحية الأوضة الخلفية.
رفعت الصاج وفتحت الصندوق، وبدأت أبص في الأوراق تاني.
كان لازم أعرف الحقيقة قبل ما سامح يرجع.
رجعت للدفتر البني، وقلبت صفحاته واحدة واحدة لحد ما وصلت لصفحة قديمة مكتوب فوقها:
«حساب البيت ـ إبراهيم.»
وتحتها تفاصيل عن مبلغ اتدفع سنة ورا سنة، وإيصالات شراء مواد بناء، وأقساط أرض، ومبالغ مكتوب قدامها «إبراهيم».
وفي آخر الصفحة جملة خلت نفسي ينقطع:
«البيت ده مش ملكي لوحدي. نصه حق إبراهيم، والنص التاني أمانة عندي لحد ما ابنه يرجع.»
ابنه؟
مين ابن إبراهيم؟
وهل سامح هو ابن إبراهيم؟
رجعت للصورة القديمة، وبصيت في وش الطفل الصغير.
كان عنده نفس عيون سامح، ونفس شكل مناخيره.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
فتحت ظرف تاني كان في قاع الصندوق، مكتوب عليه:
«الحقيقة اللي خفت أقولها.»
بدأت أقرأ.
«يا هناء…
أبوكي عبد الرحمن كان راجل طيب، لكنه اتجوزني وأنا عندي سر كبير.
قبل ما أتجوزه، كنت متجوزة إبراهيم، راجل اشتغل في الغربة سنين طويلة، وكان بيحوش كل قرش علشان يبني بيت لابنه سامح.
إبراهيم كان مسافر لما اتعرض لحادثة، وبعدها انقطعت أخباره، وكل اللي وصل لي وقتها إنه مات.
كنت حامل في سامح، وكنت لوحدي، وأهلي ضغطوا عليا إني أتجوز عبد الرحمن بعد ما اتولدت.
عبد الرحمن عرف حكايتي من البداية، وقبل يتجوزني على إن سامح يفضل ابني، وإنه عمره ما يحس إنه غريب في البيت.
وعشت معاه سنين، وربى سامح كأنه ابنه، ولما إنتِ جيتي للدنيا، حبيتكوا أنتم الاتنين بنفس القدر.
لكن بعد وفاة عبد الرحمن، ظهر إبراهيم من جديد.
ما كانش مات.
كان في المستشفى بره مصر، وفقد الذاكرة فترة طويلة، وبعد ما رجع افتكر كل حاجة، وبدأ يدور عليا وعلى سامح.
قابلته، وعرفت إنه رجع ومعاه فلوس تعبه كله، وكان عايز يضمن مستقبل ابنه.
طلب مني أحافظ على نصيبه في البيت والفلوس اللي كان بيبعتها قبل ما يختفي، لكن إبراهيم تعب تاني ومات بعد فترة قصيرة.
قبل ما يموت، سلمني أوراقه، وطلب مني ما أسلمش نصيبه لسامح غير لما يكبر ويبقى راجل مسؤول، ويعرف قيمة التعب والفلوس.
أنا خفت على سامح من الفلوس، وخفت أكتر من إنه يظلمك، لأنك بنته زي ما هو ابني، لكنك أضعف منه، وعمري ما حبيت أشوفك مكسورة.
فقررت أحافظ على حقه، وفي نفس الوقت أحافظ على حقك.
