الدفن

روايات_مشيره_محمد

بدأ يشتغل بجد، وبطل يطلب الفلوس من الناس، وبقى كل ما يقبض جزءًا من شغله يحط مبلغًا صغيرًا في حساب مخصص لمساعدة الحالات المحتاجة، بعد ما اتفقنا مع المحامي والمحاسب على طريقة واضحة تحفظ الحقوق وتمنع الخلط بين الأموال.
أما أنا، فقررت أفتح مشروع فطير صغير في نفس السوق اللي أمي كانت بتشتغل فيه.
مش علشان أجمع فلوس، لكن علشان أفضل فاكرة إيديها وهي بتعجن، وصوتها وهي بتناديني من المطبخ:
ـ يا هناء، تعالي دوقي الحشو قبل ما أقفله.
في أول يوم، وقفت قدام الفرن، وإيدي بتترعش.
افتكرت كل مرة كانت بتديني فيها أحسن قطعة وتقول لي إنها شبعت، وكل مرة كنت أصدقها من غير ما أسألها إذا كانت أكلت فعلًا.
بعد كام شهر، المشروع بدأ ينجح، وبقيت أقدر أعيش من شغلي، وأساعد غيري من غير ما أضر نفسي أو أهمل صحتي.
وسامح كان بيزورني كل أسبوع.
في مرة، جاب لي صورة جديدة لأمي، كانت متصورة في السوق وهي بتضحك، وشعرها مغطى بطرحتها القديمة.
قال لي:
ـ لقيتها عند خالتنا. قلت أحطها هنا.
علقت الصورة على الحيطة، فوق مكان العجن.
وبصيت لها وقلت:
ـ حقك عليا يا أمي. سامحيني إني ما فهمتكيش.
سامح وقف جنبي، وقال:
ـ هي لو كانت عايزة مننا حاجة، كانت عايزانا نبقى أحسن من نفسنا القديمة.
عدت شهور، وفي يوم جمعة، كنت قاعدة قدام الصورة، وبراجع دفتر أمي البني.
وصلت لآخر صفحة ما كنتش قريتها كويس قبل كده، لأن الورق كان ملزوق ببعضه.
فصلت الصفحتين بحذر، ولقيت مكتوب بخطها:
«يا هناء، لو وصلتي لحد هنا، يبقى عرفتي إن الفلوس مش هي السر الحقيقي.
السر الحقيقي إن الإنسان ممكن يعيش عمره كله وهو فاكر إن اللي قدامه ضعيف، لمجرد إنه ما بيشتكيش.
ما تندميش إنك ما عرفتيش كل حاجة وأنا عايشة. أنا اللي اخترت أخبي، وإنتِ ما كنتيش مطالبة تعرفي اللي ما اتقالش لك.
بس أوعي تعيشي حياتك وإنتِ شايلة ذنب موتي، ولا تفتكري إن الفلوس كانت هتنقذني من كل حاجة.
أنا كان عندي مرض، وكان عندي خوف، وكان عندي قرارات صح وقرارات غلط.

لو عايزة تكرميني، عيشي كويس، وخلي قلبك رحيم، لكن ما تظلميش نفسك علشان تنقذي كل الناس.
وخلي بالك من سامح. هو غلط، لكنه يقدر يتغير لو اختار التغيير بنفسه.
وأخيرًا، يا بنتي، لما تشتاقي لي، ما تدوريش عليا في الصندوق ولا تحت الصاج.
دوري عليا في كل حد تفرحي قلبه، وفي كل لقمة حلوة تعمليها بإيدك، وفي كل مرة تقولي فيها الحق حتى لو صوتك بيترعش.
أمك اللي بتحبك.»
قفلت الدفتر، وضمّيته لصدري.
وساعتها فهمت إن أمي ما كانتش بتخبّي فلوس وبس.
كانت بتخبّي وجعها، وخوفها، وكرامتها، وأسرار ناس وثقوا فيها، وكانت بتحاول تسيب لنا حياة أرحم من الحياة اللي عاشتها.
لكن فيه حاجة واحدة فضلت توجعني.
إني كنت أقدر أسألها أكتر.
كنت أقدر أقعد جنبها وقت أطول، وأبطل أجري ورا الشغل والمشاوير، وأقول لها كل يوم إني بحبها، من غير ما أستنى لما تبقى على سرير المستشفى.
ومن يومها، كل ما أشوف ست كبيرة في السوق بتبيع فطير، أقف أشتري منها، وأتكلم معاها شوية، وأسألها إذا كانت محتاجة حاجة.
مش علشان أعتبر كل ست غلبانة زي أمي، ولا علشان أعيش دور المنقذة، لكن علشان ما أنساش إن كل إنسان وراه حكاية إحنا ما نعرفهاش.
أما سامح، ففضل يزور قبر أمي كل أسبوع، وفي أول عيد أم بعد وفاتها، راح لي البيت ومعاه علبة دوا الضغط اللي كانت بتاخده.
حطها قدام صورتها، وقعد على الأرض، وقال وهو بيعيط:
ـ أنا جبت لك الدوا يا أمي. المرة دي ما اتأخرتش.
أنا انهرت من العياط، وهو فضل قاعد قدام الصورة لحد المغرب.
ومن يومها، ما بقيناش نتكلم عن الفلوس اللي لقيناها تحت الصاج باعتبارها كنز.
كنا بنسميها أمانة أمي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *