الدفن
روايات_مشيره_محمد
الفلوس اللي في الصندوق مش كلها ميراث إبراهيم. جزء منها حقه، وجزء من شغلي طول السنين، وجزء أمانات للناس اللي ساعدتهم.
كنت ببيع الفطير وأنضف البيوت لأن الشغل ده كان بيخليني قريبة من الناس، وأعرف مين محتاج من غير ما أحرجه.
أما الدوا، فكنت أقدر أشتريه، لكن أوقات كنت باوفر منه علشان أقدر أساعد غيري.
عارفة إن ده غلط، وعارفة إنك هتلوميني، بس كنت فاكرة إن التعب اللي في جسمي أهون من دمعة أم مش لاقية تمن علاج ابنها.
سامح عمره ما عرف الحقيقة كاملة، وكل ما كان يسألني عن الفلوس كنت أقول له مفيش.
مش علشان أحرمكوا، لكن علشان ما أخليش الفلوس هي اللي تحكم بينكم.
لو سامح طلب بيع البيت، اطلبي منه يجيب الأوراق اللي عنده، لأن إبراهيم كان سايب له مستندات تثبت حقه، لكن ما كانش يعرف قيمتها.
ولو أنكر، يبقى افتكري إن الحق ما بيضيعش طول ما فيه حد متمسك بيه.
وأهم حاجة يا هناء…
ما تكرهيش أخوكي قبل ما تعرفي هو هيختار إيه لما يعرف الحقيقة.
أنا ربيته على الخير، لكن الخوف والطمع ممكن يغيروا أي إنسان.
سامحيني إني خليتك تحسي إني فقيرة ومحتاجة، لكن صدقيني، أنا ما كنتش محتاجة غير إنك تفضلي جنبي.»
خلصت الجواب وأنا بعيط بصوت عالي.
أمي كانت بتتألم، وبتخبي ألمها، وبتساعد الناس، وفي نفس الوقت أنا كنت فاكرة إني شايلة همها لوحدي.
لكن أكتر حاجة وجعتني إنها كانت بتوفر في علاجها.
حطيت إيدي على صدري وقلت:
ـ ليه يا أمي؟ ليه ما قلتيليش؟ كنت أبيع هدومي ولا أبات من غير أكل، بس ما كنتش أسيبك تحرمي نفسك من الدوا.
فضلت أعيط لحد ما حسيت إني مش قادرة أتنفس.
وبعدين افتكرت جملة في الجواب: «لو لقيتي المفتاح التاني، يبقى جه الوقت إنك تعرفي الحكاية من أولها.»
فتشت الصندوق كله، لكن ما لقيتش أي مفتاح تاني.
قلبت علبة الصفيح، وفتشت في القماش اللي كان ملفوف حوالين الصندوق، لحد ما لاحظت إن فيه خياطة غريبة في طرفه.
جبت مقص، وفتحت الخياطة بحذر.
وقع في إيدي مفتاح نحاس صغير، ومعاه ورقة مكتوب عليها عنوان.
العنوان كان لبنك في طنطا.
وتحت العنوان جملة واحدة:
«اسألي عن صندوق الأمانات باسم إبراهيم عبد السلام.»
تاني يوم الصبح، لبست هدومي، وحطيت الأوراق في شنطة، وروحت البنك.
كنت متوترة جدًا، وكل شوية أبص ورايا، خايفة يكون سامح عرف أنا رايحة فين.
لما وصلت، سألت الموظف عن صندوق الأمانات، وورّيته الأوراق اللي معايا.
راجع البيانات، وبعدها طلب مني بطاقة الرقم القومي، واتصل بالمسؤول المختص.
بعد حوالي نص ساعة، دخلوني أوضة صغيرة، وجابوا صندوق معدني.
المفتاح النحاسي فتحه.
جواه ملف كبير، وعقد ملكية، وشهادة وفاة إبراهيم، ووصية موثقة، وظرف صغير مكتوب عليه:
«إلى ابني سامح، لما يبقى راجل يعرف معنى المسؤولية.»
فتحت الملف، وبدأت أراجع الأوراق.
اتضح إن إبراهيم كان شاري حصة في البيت باسمه، وإن فيه وديعة بنكية باسمه، وأمي كانت الوصية على إدارة جزء من الأموال لحين تسوية حقوق الورثة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في عقد آخر.
كان فيه بيت صغير في شارع جانبي بطنطا، ملك إبراهيم، ومكتوب في الوصية إنه يخصص ريعه لعلاج الفقراء من معارفه وجيرانه، على أن يحتفظ سامح بحقه القانوني في نصيبه بعد استكمال الإجراءات.