سر بابا الخفى
في جنازة بابا، جنرال بأربع نجوم دَسّلي كارت أبيض بسيط في إيدي وقاللي:
“سافر على جنيف. قولهم اسم أبوك. هما هيفهموا.”
أخويا كان فاكر إن أبوينا البحّار المتقاعد العادي ده ما سيبش وراه حاجة غير بيت صغير.
كم يوم بعد كده، أنا قاعد جوه بنك خاص في سويسرا، فتحت ملف سري، واكتشفت إن بابا كان مخبي سر كبير لدرجة إنه يغيّر كل اللي أخويا كان فاكره عن حياته.
“سافر على جنيف”، الجنرال قالها بصوت واطي لدرجة إني حسيت كأني سامع الهوا بيهزر.
وبعدين دَسّلي الكارت الأبيض وقال:
“قولهم اسم أبوك. هما هيفهموا.”
وده كان بعد نص ساعة من ما دفناه.
أكتر حاجة فاكرها في اليوم ده كانت البرد. أرلينغتون كان فيه البرد القارس بتاع فيرجينيا اللي بيتغلغل في الجاكت وما بيطلعش. صفوف الشواهد البيضا كانت مالهاش آخر. أعلام صغيرة بترتعش في الهوا كأن المقبرة نفسها بتتنفس. السماء كانت واطية ورمادية، شكلها هتمطر بس ما مطرتش.
بابا اتدفن.
مفيش موكب طويل.
مفيش عرض صور.
مفيش بروجرام جنازة لامع بالميداليات والقصص الدرامية.
بس علم مطوي في إيدي، اسم جديد منحوت على الحجر الأبيض، وسكات صامت زي حياته كلها اللي رفض يظهر فيها للناس.
بابا كان متقاعد من البحرية الخاصة – Navy SEAL.
ولو ماكنتش عارف تدور صح، عمرَك ما كنت هتتخيله.
كان عايش ساكت. شغال ساكت. ومات ساكت.
كبرنا في نورفولك، وسط عائلات عسكرية، وكنت دايمًا سامع ولاد تانين بيتباهوا بأباؤهم ورُتبهم وترقياتهم وقطع السفن والقصص. بابا عمره ما ادانا أي حاجة من ده. كان بيصلح السياج يوم السبت. بيدفع الفواتير بدري. بيشرب قهوة سادة بالساعة ستة بالظبط كل صباح. وبعد التقاعد، أخد شغل نص وقت في محل صغير للوازم البحرية عند الرصيف وقال إنه بيحب ريحة الحبال ومية البحر.
عمره ما حكى حكايات حرب.
عمره ما لبس ماضيه زي وسام.
وعمره ما حس إن العالم عليه يدّي له تصفيق.
لما مات – فجأة، أزمة قلبية كبيرة على أرضية المطبخ – حسيت إنه كان على طبيعته بالظبط. ساكت. سريع. مفيش دراما.
جار عنده مفتاح احتياطي لقى الجثة بعد يومين.
الفاحص الطبي اتصل بيا وأنا قاعد على مكتبي وببص في جدول إكسل. لحظة كنت شغال، ولحظة بعديها سامع كلام رسمي جاف خلا المكتب كله غريب.
“مات.”
ده كل اللي حصل.
وعلى قد ما أي حد يقدر يقول، ما سيبش وراه كتير.