الدخل الخاص

روايات_مشيره_محمد

​العهد والوعد

​إبراهيم بص لي بشكل مباشر، وعيونه اتملت بدموع حقيقية المرة دي:

— يوم ما أمي ماتت في مستشفى القصر العيني، وأنا عيل عندي 14 سنة، وقفت فوق رأسها وحلفت ب ربنا.. حلفت إن الست اللي هدخلها بيتي وهشيل اسمها، عمري ما هخليها تحت رحمة راجل.. ولا حتى تحت رحمتي أنا شخصياً!

​أنا بلعت ريقي، وحسيت برعشة في جسمي.

​— أنا اتجوزتك يا أمل وأنا بعشقك.. كنتي الضحكة اللي دخلت حياتي بعد سنوات العتمة. بس الخوف كان ساكن في عظامي زي السوس. الخوف إن الزمن يغدر بيا، إن صحتي تروح، إن أقع في أزمة مالية.. أو حتى إني أتغير! أيوة، كنت خايف أتغير عليكي.

ساعات الراجل لما بيحس إن مراته ملهاش ملجأ غيره، الشيطان بيلعب في دماغه. بيحس إنه امتلكها، إنها مش هتقدر تمشي لو أذاها، مش هتقدر تقول “لأ” لو جه عليها. أنا ما كنتش عاوز أكون الراجل ده!

كنت عاوزك تفضلي معايا كل يوم وأنتي اختارتي ده بملء إرادتك، مش لأنك مجبورة! مش لأنك لو مشيتي مش هتلاقي حق كارت المترو أو أكلة عيالك!

​أنا كنت بقعد أسمعه ودموعي نازلة بسكوت. كل السنين دي.. كل مرة كنت بخرج فيها الصبح وأنا زعلانة ومستتقلة العيشة، كان هو بيعد الساعات ويدعي ربنا يقويني، مش عشان مستخسر فيا القعدة، لكن عشان بيحميني من بعيد من شبح أمه اللي كان بيطارده!

​السر الثاني في الشنطة الجلد

​إبراهيم مسك الدفتر الأسود وفتحه قدامي.

— أنتي فاكرة إن المرتب اللي كان ينزل في حسابك هو كل حاجة؟

— يعني ايه؟

— افتحي الدفتر ده يا أمل..

​فتحت الدفتر. لقيت صفحات متقسمة بتواريخ السنين، من سنة 2003 لحد النهاردة.

تحت كل شهر، كان مكتوب بخط إبراهيم الدقيق:

  • ​”شهر 5/2004: أمل تعبانة من الشغل، تحويل مبلغ 1000 جنيه لحسابها التوفيري المغلق.”
  • ​”شهر 11/2008: أمل اترقت، اشتريت لها هدية، وحولت 2500 جنيه لحساب التوفير.”
  • ​”شهر 3/2015: أمل بتقول إنها عاوزة تستقيل، ربنا يقويها، زودت المبلغ الشهري لـ 5000 جنيه.”

​بصيت له وأنا مش فاهمة أي حاجة:

— إبراهيم.. إيه الأرقام دي؟ حساب توفير إيه؟

— الحساب اللي قلتلك افتحيه في البنك الأهلي أول ما اتجوزنا وقعدت أقولك “سيبيه وما تصرفيش منه ومالكيش دعوة بيه”. أنتي كنت تحطي فيه جزء صغير من مرتبك، وأنا طول الـ 21 سنة اللي فاتوا، كنت باخد جزء من أرباح شغلي وسفرياتي، وأحوله في الحساب ده من غير ما تعرفي.

أنا ما لمستش قرش من مرتبك يا أمل، ولا أخدت منك جنيه لمصاريف البيت. البيت ده مقفول بخيري وعرقي من أول يوم لأخر يوم. الفلوس اللي في حسابك دي مش مجرد تحويشة.. دي ثروتك الخاصة!

أنتي دلوقتي في حسابك المبلغ اللي يخليكي تعيشي ملكة.. لو أنا جرى لي حاجة بكره، أو لو قررتي في أي لحظة إنك مش عاوزة تكملي معايا، تصحي الصبح وأنتي معززة مكرمة، مش محتاجة كلمة من أهلك ولا حسنة من عيالك ولا من جوزاتهم!

​— أنت.. أنت كنت بتعمل كل ده من ورايا؟

— كنت بتعذب لما بشوفك زعلانة مني.. لما كنت أسمعك بتقولي لصحابك “إبراهيم ناشف ومصمم إني أشتغل”. كم مرة كان نفسي أخدك في حضني وأقولك “أنا بؤمّنك يا حبة عيني.. بؤمّن حريتك وكرامتك”، بس كنت بخاف لو قلتلك، تريحي وتسيبي الشغل بدري قبل ما تحسّي بقمية نفسك وكيانك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *