الدخل الخاص

روايات_مشيره_محمد

روايات_مشيره_محمد

​بص لي وكأنه كان عاوز يقول حاجة جواه من زمان، بس ما نطقهاش.. وقال بصوت واطي:

— علشان ما أكسركيش يا أمل.. وعلشان ما تظلميش نفسك معايا ولا مع غيري.

​سكت الصمت اللي بينقط خوف، دقات الساعة على الحيطة كانت صوتها عالي أوي وكأنها حجر بيبص في بئر ملوش القاع. أنا وقفت مكاني مش فاهمة. الكلمة طلعت منه زي السهم اللي استقر في قلبي، بس الرؤية كانت لسه مشوشة.

​— يعني ايه ما أكسركيش؟ هو أنا كنت مكسورة يا إبراهيم؟ أنا طفحت الدم السنين دي كلها، كنت بطلع من البيت الساعة ستة الصبح والبرد بياكل في عظامي، أرجع ألاقي المطبخ مستنيني والغسيل والعيال والمذاكرة! كل ده عشان خايف تكسرني؟ أنت كنت بتكسرني كل يوم وأنت بتقول لي “لازم يكون ليكي دخلك الخاص”! كنت بحس إنك بترميني في الشارع وبتقول لي اتصرفي مع الدنيا لوحدك!

​إبراهيم اتنفس بنشجة مكتومة، وهو اللي عمري ما شفت دمعة نازلة من عينه، مسح وشه بكفوف إيده اللي اتملت تجاعيد مع السنين. قام من على الكنبة ببطء، ظهره اللي كان مفروض زي الألف بقى محني شوية من ثقل الأيام. مشي ناحية الأوضة القديمة، أوراقة ومستنداته، وفتح الدولاب الخشب اللي بيقفله بالمفتاح دايماً.

​رجّع إيده بشنطة جلد سوداء قديمة، حطها على الترابيزة قدامي، وقعد على الكرسي القريب مني.

​— اقعدي يا أمل.. اقعدي واسمعيني للمرة الأولى والأخيرة، وبعدها لو عاوزة ترمي الشغل بكره، أو حتى ترميني أنا ذات نفسي.. مش هقولك لأ.

​الجرح القديم: ذكريات سنة 1982

​قعدت وأنا جسمي كله بيموت من الفضول والخوف. إبراهيم فتح الشنطة، وطلع منها دفتر أسود قديم، وورقة طوابع بيضاء مصفّرة من الزمن.

​— أنتي عارفة عن أبويا إيه يا أمل؟

— عارفة إنه اتوفى وأنت صغير، وأمك هي اللي ربتك أنت وإخواتك.

— حلو.. ده الجزء الورد في القصة. اللي ما تعرفهوش، إن أبويا اتوفى فجأة، حكايات أزمات قلبية وكلام أطباء مش مهم.. المهم إنه ساب أمي وهي عندها 28 سنة، معندهاش شهادة، ولا عمرها خرجت اشتغلت ساعتين على بعض. كانت فاكرة إن أبويا هو السقف اللي حامينا من المطر.

​مسك إبراهيم نظارته، مسحها بقميصه، وكمل بصوت خشن:

— لما أبويا مات، اكتشفنا إنه ما سابش أي حاجة. لا حساب في بنك ولا شقة ملك ولا حتى قرشين على جنب. أمي صحيت الصبح لقيت نفسها بالثلاث عيال في الشارع. الشقة كانت إيجار وصاحب العمارة عاوز الفلوس، والأكل عاوز فلوس، والمصاريف عاوزة فلوس.

​عينه اتركزت في الفراغ وكأنه شايف المشهد قدامه حالا:

— أعمامي وخوالي اتجمعوا.. بدل ما يسندوها، أول حاجة قالوها لها: “أنتي ست صغيرة، مش هنقدر نصرف عليك وعلى عيالك طول العمر. العيال يروحوا لملجأ أو نوزعهم على البيوت، وأنتي تتجوزي سيد عمك أو أيا كان اللي يرضى بيكي!”

أمي بكت واستعطفتهم، اترجتهم يرحموا ضعفها. العيلة قررت تصرف علينا “حسنة”.. أيوة يا أمل، حسنة!

كان عمي يجي كل أول شهر، يرمي لامي مبلغ بسيط على الترابيزة، ويعد القمم اللي بناكلها. لو شافها جايبة لينا حتة لحمة زياردة، يصرخ في وشها ويقولها: “أنتي فاكرة نفسك غنية؟ الفلوس دي بناكلها من قوت عيالنا عشان خاطر المرحوم!”.

كنت بشوف أمي بتعيط كل ليلة في العتمة، بتدعي ربنا ياخدها. كانت محبوسة في سجن الحاجة، لا قادرة تسيب العيلة اللي بتذلها، ولا قادرة تصرف علينا، ولا قادرة تاخد قرار واحد في حياتها. كانت مكسورة.. مكسورة لدرجة إنها لما مرضت بالسرطان، خافت تقول لحد عشان ما يقولوش “مصاريف علاجه كتير”. وماتت وهي عندها 38 سنة بس.. ماتت حسرة وذل!

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *