الدخل الخاص
روايات_مشيره_محمد
ليلة الحساب والشفاء العاطفي
فضلنا قاعدين في الصالة للصبح. الشمس بدأت تطلع وتفرش نورها الدافئ على الصالون القديم. فتحنا كل الأوراق، قريت كل كلمة كتبها في الدفتر.
كان كاتب عن كل أزمة مرينا بيها، عن كل يوم رجعت فيه متضايقة من مديري في الشغل، وكيف كان بيصلي بالليل يدعي ربنا ينصرني. كان كاتب عن كل مرة اضطر فيها يبان قاسياً وهو بيقولي “كملي في شغلك”، وكيف كان قلبه بيتقطع من جوه لأنه عارف إن وده يريحني في السرير ويجيب لي الدنيا تحت رجلي.
— تعرفي يا أمل؟
— إيه يا إبراهيم؟
— أنا كنت بشوفك وأنتي راجعة من شغلك تعبانة، وشايلة الشنطة، كنت بحس بالذنب. بس لما كنت أفتكر أمي وهي واقفة في المطبخ في بيت عمي بتستجدى منهم كيلو رز عشان تطعمنا، كنت بقول لنفسي: “تعب أمل في شغلها بشرفها وكرامتها، ألف مرة أرحم من إنها تصحى في يوم تلاقي نفسها محتاجة لحد”.
— بس أنا ما كنتش هحتاج لحد وأنت معايا يا إبراهيم!
— وأنا مش مخلد يا أمل.. الأعمار بيد الله. والدليل التقرير اللي قدامك ده.
مسكت إيده وبستها، حطيتها على قلبي.
— المستشفى متحدة إمتا؟
— يوم التلات الجاي.
— من النهاردة أنا مش هروح الشغل.. مش عشان استقلت، لا، عشان أفرغ كل ثانية في عمري عشان أكون جنبك. والعملية دي هتعدي، وهتقوم لي بالسلامة، وهنعيش اللي فاضل من عمرنا سوا.. بس المرة دي، وأنا فاهمة أنت مين.
غرفة العمليات والأمل الجديد
جه يوم الثلاثاء. المستشفى كانت هادية، وأولادنا الاثنين “أحمد” و”عمر” كانوا واقفين بره الأوضة، يتنقلوا بقلق. هما ما كانوش عارفين كل التفاصيل، بس كانوا شايفين التغير العجيب في التعامل بيني وبين أبوهم.
قبل ما يدخل غرفة العمليات بـ 10 دقايق، إبراهيم مسك إيد أحمد وعمر، وبص لي.
— أحمد.. عمر.. أفيضوا في أمهات عيالكم زي ما عملت. الست اللي تدخل بيتكم، إياكم تكسروها، وإياكم تخلوها تحس إنها ملهاش قيمة من غيركم. الست القوية هي اللي بتبني بيت قوي.
بص لي وقال:
— استودعتك الله يا أملي.. الدفتر والشنطة معاكي، وأنتي في أمان.
دخل إبراهيم غرفة العمليات، وأنا قعدت على الكرسي في الطرقات الطويلة للمستشفى. أربع ساعات كاملة كانت أطول من الـ 21 سنة اللي عشناهم سوا.
كنت بسبح وأدعي.. مش بطلب من ربنا يخليه عشان يصرف عليا، ولا عشان أعتمد عليه، بطلب من ربنا يخليه عشان أنا بحبه! بحبه حب نقي ملوش علاقة بالمصلحة ولا بالاحتياج المادي.. حب الست للراجل اللي صان كرامتها وحماها من الدنيا حتى من نفسه.
بعد أربع ساعات ونص، خرج الدكتور وهو بيمسح العرق من جبهته.
ابتسم وقال:
— الحمد لله يا مدام أمل.. العملية كانت صعبة جداً، انسداد الشرايين كان شديد، بس ربنا كتب له عمر جديد. القلب استجاب والمؤشرات كلها ممتازة!
خرت على الأرض ساجدة لله، الدموع كانت بتغسل كل السنوات اللي فاتت، كل التعب، كل الظنون الخاطئة.
