روايات_مشيره_محمد أول ليلة قضيتها لوحدي في البيت كانت أطول ليلة في حياتي. كنت قاعدة على الكنبة في الصالة، والتليفزيون شغال قدامي، لكن مكنتش مركزة في أي حاجة. كل شوية أبص ناحية باب الشقة، وأقوم أتأكد إنه مقفول، وبعدها أرجع مكاني وأبص للموبايل اللي في إيدي. كنت مستنية أبويا يتصل بيا، حتى لو مكالمة صغيرة يطمن عليّا فيها. الساعة بقت عشرة بالليل، وبعدها حداشر، ولحد ما دخلت على نص الليل، موبايل أبويا مرنش ولا مرة. فتحت المحادثة بيني وبينه، وكتبت: «بابا، إنت وصلت المصيف؟» فضلت باصة للرسالة شوية، وبعدها مسحتها قبل ما أبعتها. قلت لنفسي إنه أكيد مشغول في الطريق، وإنه لما يوصل هيكلمني. لكن الحقيقة إني كنت خايفة أقول له إني لوحدي، وخايفة أكتر يكون فعلًا عارف وموافق. دخلت أوضتي وقفلت الباب، وحاولت أنام، لكن كل ما أغمض عيني أفتكر كلام نهى، وهي بتقول إن أبويا عارف إني هقعد لوحدي. فضلت أتقلب في السرير لحد ما غلبني النوم. تاني يوم الصبح، صحيت على صوت الموبايل وهو بيرن. كان رقم جدتي سعاد. رديت بسرعة، وأنا مبسوطة إنها افتكرت تتصل بيا. «ألو يا تيتة!» سمعت صوتها الحنين وهي بتقول: «صباح الخير يا قلب تيتة. عاملة إيه؟» «الحمد لله يا تيتة، إنتِ عاملة إيه؟ ركبتك أحسن؟» «أحسن يا حبيبتي، بس كنت عايزة أسمع صوتك قبل ما تسافري. إنتوا وصلتوا الساحل ولا لسه؟» اتجمدت مكاني. «أسافر فين يا تيتة؟» جدتي سكتت لحظة، وبعدها قالت: «إزاي يعني يا ملك؟ مش إنتِ مسافرة مع أبوكي ونهى المصيف؟» حسيت إن قلبي بيدق بسرعة. «لا يا تيتة، أنا في البيت.» «في البيت إزاي؟!» صوتها اتغير فجأة، وبقت بتتكلم بقلق. «أبوكي ونهى فين؟» «سافروا امبارح.» «وسابوكي لوحدك؟» مكنتش عارفة أقول إيه. حاولت أهرب من السؤال وقلت: «نهى قالت إنك تعبانة ومش هتقدري تستقبليني الأسبوع ده.» جدتي سكتت تمامًا. وبعد ثواني، سمعتها بتقول بصوت مخنوق: «نهى قالتلك كده؟» «أيوه يا تيتة.» «يا بنتي أنا محدش كلمني وقال لي إنك جاية عندي أصلًا! دي قالتلي إنك مسافرة معاهم!» في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة اتكشفت قدامي مرة واحدة. نهى كذبت على أبويا وقالتله إني طلبت أروح عند جدتي، وكذبت على جدتي وقالتلها إني مسافرة معاهم، وفي الآخر سابتني لوحدي في البيت. مكنتش فاهمة ليه تعمل كده، ولا إيه اللي مستفاداه من إنها تحطني في الموقف ده. جدتي بدأت تتكلم بسرعة: «يا حبيبتي، إنتِ لوحدك من امبارح؟ أكلتي؟ نمتي؟ طب إزاي محدش جه يطمن عليكي؟» لقيت نفسي بعيط من غير ما أحس. «أنا كويسة يا تيتة، متعيطيش. أنا بس كنت خايفة أكلم بابا وأبوظ عليه المصيف.» ردت عليّا بحزم عمر ما سمعته منها قبل كده: «اسمعيني يا ملك، إنتِ مش اللي بوظتي حاجة. إنتِ طفلة، ومش مطلوب منك تشيلي هم الكبار ولا تحافظي على جواز حد على حساب أمانك. فاهمة؟» مسحت دموعي، وقلت: «فاهمة يا تيتة.» «طيب، أنا هتصرف، ومش هسيبك لوحدك. هكلم أبوكي دلوقتي.» اتخضيت وقلت بسرعة: «لا يا تيتة، استني!» «استنى إيه يا ملك؟ دي مش لعبة. إنتِ عندك 12 سنة، ومينفعش تقعدي أسبوع لوحدك كده.» مكنتش عارفة أرد عليها. كنت خايفة من رد فعل أبويا، لكن في نفس الوقت كنت محتاجة حد كبير يقف جنبي. جدتي قالت لي: «خليكي معايا على التليفون لحد ما أطمن إن حد هيجيلك. ولو حسيتي بأي خوف أو احتجتي مساعدة، كلمي الطوارئ أو أي شخص كبير موثوق قريب منك. مش لازم تستني حد يسمح لك تطلبي المساعدة.» وبعدها قفلت معايا عشان تتصل بأبويا. أما أنا، ففضلت قاعدة على الكنبة، وباصّة للموبايل، مستنية اللي هيحصل. مكنتش أعرف إن المكالمة دي هتكون أول خيط في نهاية كذبة نهى. في الوقت ده، كان أبويا وصل الساحل، وكان قاعد مع نهى في الشاليه. كان متخيل إن كل حاجة ماشية زي ما اتفقوا، وإن بنته في أمان عند جدتها. رن موبايله، ولما شاف اسم أمه، رد بابتسامة. «صباح الخير يا أمي! عاملة إيه؟» لكن صوت جدتي مكنش فيه أي ابتسامة. «محمود، إنت سايب ملك فين؟» استغرب السؤال. «عندك يا أمي، مش كده؟» «عندي إيه؟! ملك مش عندي!» أبويا وقف من مكانه. «إزاي يعني مش عندك؟» «يا ابني، أنا من امبارح مستنية حد منكم يكلمني، وإنتوا لا قلتولي إنها جاية ولا أي حاجة. نهى قالتلي إن ملك مسافرة معاكم المصيف!» أبويا بص لنهى، اللي كانت قاعدة قدامه وبتشرب القهوة. ملامحه اتغيرت. «إنتِ بتقولي إيه يا أمي؟ نهى قالتلي إن ملك هي اللي طلبت تروح عندك، وإنها كانت مكسوفة تقولي بنفسها!» جدتي ردت وهي على وشك العياط: «والله ما حصل يا محمود! أنا معرفش حاجة عن الموضوع ده غير دلوقتي، لما ملك كلمتني وقالتلي إنها لوحدها في البيت!» أبويا حس إن الأرض بتنسحب من تحته. «لوحدها إزاي؟ من إمتى؟» «من يوم ما سافرتوا!» في اللحظة دي، أبويا قفل المكالمة بعد ما وعد أمه إنه هيتصرف فورًا. لف ناحية نهى، اللي كانت بتحاول تقوم من مكانها. «نهى، أنا عايز أفهم حاجة واحدة بس. ملك فين؟» نهى حاولت تبتسم. «مالك يا محمود؟ إيه اللي حصل؟» صوته ارتفع: «متسألينيش إيه اللي حصل! أمي بتقولي إن ملك مش عندها، وإنك إنتِ اللي قلتي لها إنها مسافرة معانا! وإنتِ قلتيلي إن ملك هي اللي طلبت تروح عندها!» نهى اتلخبطت، لكنها حاولت تسيطر على نفسها. «يمكن حصل سوء تفاهم، يا محمود.» «سوء تفاهم إيه؟ بنتي عندها 12 سنة! إنتِ قولتيلي إنها عند أمك، وأمي بتقول إنها في البيت لوحدها!» نهى بصت للأرض، وبعدها قالت: «أنا كنت فاكرة إنها هتقدر تعتمد على نفسها كام يوم، وبعدين...» قاطعها أبويا بصدمة: «كام يوم إيه؟ إنتِ بتتكلمي عن طفلة! إنتِ سيبتيها لوحدها فعلًا؟» نهى بدأت تدافع عن نفسها: «يا محمود، إنت بتكبر الموضوع ليه؟ البيت آمن، والأكل موجود، والموبايل معاها! وبعدين هي اللي قالتلي إنها عايزة تقعد في البيت ومش عايزة تيجي معانا.» أبويا قرب منها، وعينيه مليانة غضب. «كفاية كدب! ملك قالتلي امبارح إنها كانت مستنية المصيف. وأنا بنفسي شفتها مستغربة لما كلمتها عن جدتها! إنتِ كنتِ بتقوليلي إيه بالظبط؟» نهى سكتت. ولأول مرة من سنين جوازهم، أبويا شافها مش قادرة ترد. لكنه مكنش عنده وقت يفضل يتخانق معاها. خد مفاتيح العربية، واتصل بأحد جيراننا الموثوقين، الأستاذ سامح، وطلب منه يروح يطمن على ملك فورًا، لحد ما هو يرجع. وبعدها اتصل بيا. أول ما شفت اسم أبويا على شاشة الموبايل، قلبي دق بسرعة. رديت وأنا بحاول أتكلم طبيعي: «ألو يا بابا.» صوته كان مختلف، فيه قلق ووجع. «ملك، إنتِ فين يا حبيبتي؟» «في البيت يا بابا.» «إنتِ لوحدك؟» سكت شوية، وبعدها قلت: «أيوه.» سمعته بياخد نفس طويل، وبعدين سألني: «من إمتى يا ملك؟» «من يوم ما حضرتك سافرت.» صوته اتكسر وهو بيقول: «طب ليه مقولتليش يا حبيبتي؟ ليه مسمعتيش كلامي لما قلتلك تكلميني لو احتجتي أي حاجة؟» لقيت نفسي بعيط. «أنا كنت فاكرة إن حضرتك عارف يا بابا. نهى قالتلي إنك موافق، وإنك عارف إني هقعد لوحدي.» أبويا سكت، وأنا كملت وأنا بعيط: «أنا والله ما طلبتش أروح عند تيتة، ولا قلت لنهى إني مكسوفة منك. أنا كنت عايزة أروح المصيف معاك. أنا حتى كنت مجهزة المايوه بتاعي ومستنية اليوم ده من زمان.» الكلمات دي كانت كفيلة إنها تكسر قلب أبويا. سمعته بيقول بصوت مخنوق: «خلاص يا حبيبتي، متعيطيش. أنا غلطان إني مسألتكيش بنفسي واتأكدت. أنا راجعلك، ومش هسيبك لوحدك تاني.» سألته بخوف: «إنت زعلان مني يا بابا؟» «زعلان منك إزاي يا قلب بابا؟ أنا زعلان من نفسي، لأني صدقت كلام حد من غير ما أسمع منك إنتِ.» وبعدين قال لي: «الأستاذ سامح جارنا جاي يطمن عليكي دلوقتي، وأنا راجع على طول. لحد ما يوصل، خليكي في مكان آمن، ومتفتحيش الباب لأي حد غريب.» قفلت معاه، وفضلت أبص للموبايل وأنا مش مصدقة إنه عرف الحقيقة أخيرًا. بعد حوالي ربع ساعة، سمعت جرس الباب. اتخضيت، لكن أول ما بصيت من العين السحرية، لقيت الأستاذ سامح واقف. كان راجل طيب، وأبويا يعرفه من سنين. فتحته بعد ما اتأكدت من هويته، وأول ما شافني، ملامحه اتغيرت. «يا نهار أبيض يا ملك! إنتِ بقالك كام يوم لوحدك؟» قلت له: «من يوم السبت.» هز راسه بحزن، ودخل بعد ما اتأكد إني كويسة. جاب لي أكل، وقعد معايا لحد ما أبويا يرجع، وكان كل شوية يتصل بيه يطمنه. أما أبويا، فكان في طريق العودة، والغضب جواه بيزيد مع كل دقيقة. في العربية، نهى كانت قاعدة جنبه، ومش عارفة تبدأ الكلام منين. حاولت تكسر الصمت وقالت: «يا محمود، ممكن نتكلم بهدوء؟ أنا عارفة إن اللي حصل غلط، بس الموضوع مش مستاهل إنك تسيب المصيف كله وترجع.» أبويا بص لها بسرعة. «مش مستاهل؟ بنتي عندها 12 سنة، وإنتِ سيبتيها لوحدها أسبوع كامل، وبتقوليلي مش مستاهل؟» نهى ردت بعصبية: «ما هي كانت هتكون لوحدها في أوضتها أغلب الوقت حتى لو قعدت في البيت وإحنا موجودين!» أبويا خبط بإيده على الدركسيون وقال: «إنتِ بتقارني وجودنا في البيت بإننا نسيب طفلة لوحدها سبع أيام؟ إنتِ سامعة نفسك؟» نهى سكتت شوية، وبعدها قالت: «أنا كنت محتاجة أقضي وقت معاك لوحدنا يا محمود. كل مرة بنخطط نعمل حاجة، ملك بتكون معانا. أنا حاسة إن مفيش مساحة لينا إحنا الاتنين.» أبويا رد عليها بصدمة: «وإنتِ شايفة إن الحل إنك تكذبي عليّا وعلى أمك، وتسيبي بنتي لوحدها؟ كان ممكن تتكلمي معايا بصراحة!» نهى قالت بصوت منخفض: «كنت عارفة إنك هترفض.» «أيوه، كنت هرفض. لأنها بنتي ولسه صغيرة، ومسؤولية أمانها مش حاجة ممكن أتنازل عنها عشان أقضي أسبوع على البحر!» نهى بصت من الشباك ومردتش. بعد شوية، قالت جملة خلت أبويا يبصلها كأنه بيسمعها لأول مرة: «أنا كنت فاكرة إنها هتستحمل، وإن الموضوع هيعدي من غير مشاكل.» أبويا رد بحزم: «المشكلة مش بس إنك سيبتيها لوحدها. المشكلة إنك كذبتي، وخلتيها تخاف تتكلم معايا عشان متبوظش جوازنا. إنتِ فاهمة إنك حطيتي طفلة في موقف أكبر من سنها بكتير؟» نهى بدأت تعيط، لكن أبويا مكنش قادر يتعاطف مع دموعها في اللحظة دي. كان كل اللي بيفكر فيه هو شكل بنته وهي قاعدة لوحدها، مستنية مكالمة منه، ومش عارفة إذا كان أبوها عارف إنها في أمان ولا لأ. بعد ساعات، وصلت عربية أبويا قدام البيت. أول ما سمعت صوت المفتاح في الباب، جريت من الصالة، ولقيته داخل بسرعة. «ملك!» جريت عليه ورميت نفسي في حضنه. حضني بقوة، وفضل يربت على ضهري وهو بيقول: «حقك عليّا يا حبيبتي. حقك عليّا.» كنت بعيط ومش قادرة أتكلم. فضلنا واقفين كده شوية، لحد ما قدرت أبعد عنه وأبص له. سألته: «إنت رجعت عشاني يا بابا؟» ابتسم بحزن وقال: «طبعًا رجعت عشانك. هو في حاجة أهم منك؟» هزيت راسي وأنا بمسح دموعي. بعدها بصيت ناحية الباب، ولقيت نهى واقفة وراه. كانت باصة لي، ومستنية إني أروح أحضنها زي ما كنت بعمل زمان. لكن المرة دي، مقدرتش أتحرك ناحيتها. أبويا لاحظ ده، ومطلبش مني أسامحها، ولا قالي إنها مرات أبويا ولازم أحترمها مهما حصل. بالعكس، قرب مني وقال: «إنتِ مش مضطرة تتكلمي مع حد دلوقتي، ولا تسامحي حد قبل ما تكوني مستعدة. المهم إنك تبقي مطمنة.» الكلام ده خلاني أحس بالأمان لأول مرة من أيام. الأستاذ سامح استأذن ومشي بعد ما أبويا شكره على وقفته معايا. وبعدها أبويا طلب من نهى تدخل الصالة. قعدنا إحنا التلاتة، وكان في صمت تقيل. أبويا بدأ الكلام: «أنا عايز أسمع منك الحقيقة كاملة يا نهى، من غير تبريرات ولا كدب تاني.» نهى مسحت دموعها وقالت: «أنا غلطت لما سبتها لوحدها.» أبويا سألها: «ليه كذبتي وقلتيلي إنها هي اللي طلبت تروح عند أمك؟» نهى ردت بعد تردد: «لأني كنت عايزة أخلي الموضوع يبان كأنه قرارها هي، عشان متحسش إني السبب في بعدها عن المصيف.» «وطب ليه قولتي لأمك إنها مسافرة معانا؟» «مكنتش عايزة أمي تقلق أو ترفض إني أسيبها في البيت.» أبويا هز راسه بأسى. «يعني إنتِ كنتِ عارفة إن أمك ممكن ترفض، وإن أنا كمان كنت هرفض، وعشان كده كذبتي على الاتنين؟» نهى مردتش. فكمل: «طب إنتِ فكرتي في ملك وهي لوحدها بالليل؟ لو تعبت، لو خافت، لو حصل أي طارئ؟ فكرتي في أي حاجة غير إنك عايزة المصيف يبقى لينا لوحدنا؟» نهى بدأت تعيط أكتر. «أنا مكنتش متخيلة إن الموضوع هيكبر بالشكل ده.» أبويا رد بهدوء حاسم: «الموضوع كبر لأنك اختارتي الكذب بدل ما تتكلمي معايا بصراحة. وأنا مش هقدر أتعامل مع اللي حصل كأنه مجرد سوء تفاهم.» رفعت عينيها له وقالت: «يعني إيه؟ هتطلقني عشان أسبوع مصيف؟» أبويا رد: «أنا مش باخد قرار عن جوازنا في اللحظة دي، لكن اللي حصل مش هيتنسي بكلمتين اعتذار. الثقة اتكسرت، ولازم نفهم إزاي نقدر نصلحها، لو كان ده ممكن أصلًا.» نهى بصت لي وقالت: «يا ملك، أنا آسفة يا حبيبتي. مكنش قصدي أخوفك.» كنت عايزة أصدقها، لأن جزء مني لسه فاكر الأيام الحلوة اللي قضيناها مع بعض. لكن جزء تاني كان فاكر كل ليلة قضيتها لوحدي، وكل مرة كنت ببص فيها للموبايل مستنية أبويا يتصل. قلت لها بهدوء: «أنا كنت خايفة أقول لبابا إنك كذبتي، عشان مكنتش عايزة أخرب بيتكم. بس أنا مكنتش عايزة أقعد لوحدي.» نهى نزلت عينيها، ومقدرتش ترد. وأبويا قرب مني وقال: «اسمعيني يا ملك، إنتِ مش مسؤولة عن جوازي، ولا عن مشاعر أي حد كبير. لو حد عمل حاجة ضايقتك أو خوفتك، من حقك تتكلمي، ومش هتكوني السبب في خراب أي حاجة لمجرد إنك قلتي الحقيقة.» الكلام ده فضل محفور في قلبي. لأول مرة فهمت إن سكوتي عشان أحافظ على مشاعر الناس مش دايمًا بيحميهم، وإن من حقي أطلب الأمان من غير ما أحس بالذنب. تاني يوم الصبح، أبويا أخدني وراح بيا عند جدتي سعاد. أول ما فتحت الباب وشافتني، مدت إيديها ناحيتي، وأنا جريت عليها وحضنتها. فضلت تبوسني وتقول: «يا روح قلبي، سامحيني يا حبيبتي. لو كنت أعرف إنك قاعدة لوحدك، كنت جيت لك من أول يوم.» قلت لها وأنا بحضنها: «إنتِ ملكيش ذنب يا تيتة. أنا بس كنت خايفة.» قعدنا جنب بعض، وأبويا حكى لها كل اللي حصل، من أول كذبة نهى لحد ما عرف الحقيقة. جدتي كانت متضايقة جدًا، لكنها بدل ما تلومني أو تطلب مني أرجع أتعامل مع نهى كأن مفيش حاجة حصلت، قالت لأبويا: «يا محمود، البنت محتاجة تحس إن ليها ضهر. متخليهاش تشيل هم خلافاتكم، ومتحسسهاش إنها لازم تسكت عشان ترضيك.» أبويا هز راسه وقال: «عندك حق يا أمي. أنا غلطت لما صدقت الكلام من غير ما أسمع منها.» جدتي مسكت إيدي وقالت: «يا ملك، لو أي حد قالك في يوم إنك لازم تخبي حاجة مضايقاكي عشان تحافظي على سعادة الكبار، افتكري إن سعادتهم مش مسؤوليتك. إنتِ ليكي حق تتكلمي، وليكي حق تحسي بالأمان.» الكلام ده ريحني جدًا. قضيت اليوم عندها، وأبويا فضل معايا، وبعدها رجعنا البيت. لكن المرة دي، رجعنا وإحنا عارفين إن حاجات كتير لازم تتغير. الأيام اللي بعدها مكنتش سهلة. أبويا رجع المصيف من غير نهى، وكلم أهلها عشان يفهموا اللي حصل. لكنه كان واضح معاهم إنه مش عايز حد يضغط عليّا عشان أسامحها بسرعة أو يتعامل مع اللي حصل كأنه مجرد غلطة بسيطة. نهى فضلت عند أهلها فترة، وأبويا بدأ يستعين بمتخصص أسري عشان يفهم إذا كان ممكن يرجع الثقة بينه وبينها، وإزاي يضمن إن أي خلاف بين الكبار ميتحولش لأذى ليا. وفي الفترة دي، أبويا اتغير معايا. بقى يسمعني أكتر، ويسألني عن يومي، ولو عنده مشوار طويل، كان بيتأكد إن في شخص بالغ موثوق موجود معايا. وفي يوم، كنت قاعدة معاه في الصالة، وهو بيقلب في صور المصيف اللي كان حجزه. لقيته بيقفل الموبايل ويبص لي. «ملك، ينفع أسألك سؤال؟» قلت له: «اتفضل يا بابا.» «إنتِ ليه مقلتيليش من أول يوم إن نهى قالتلك تقعدي لوحدك؟» نزلت عيني وقلت: «كنت خايفة تزعل مني، أو تحس إني مش عايزاك تروح المصيف معاها. وهي قالتلي إنك موافق، فافتكرت إني لو اتكلمت هعمل مشكلة بينكم.» أبويا قرب مني وقال: «يا حبيبتي، أنا عايزك تعرفي حاجة مهمة. لو أنا اتضايقت من تصرف حصل، ده مش معناه إنك غلطانة لمجرد إنك حكيتيه. إنتِ بنتي، ومن واجبي أسمعك وأحميكي.» سألته بتردد: «طب لو إنت بتحب الشخص اللي ضايقني؟» رد من غير ما يفكر: «حبي لشخص مش معناه إني أتجاهل غلطه. ممكن أحب حد، وفي نفس الوقت أرفض تصرفاته وأحاسبه عليها.» فضلت باصة له، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة. «يعني مش هتزعل مني لو حكيتلك حاجة تضايقك؟» هز راسه وقال: «ممكن أزعل من اللي حصل، لكن مش منك عشان قلتي الحقيقة. عمري ما عايزك تخافي تحكيلي.» في اللحظة دي، حسيت إن الحمل اللي كنت شايلاه على قلبي بدأ يخف. بعد حوالي شهر، نهى طلبت تقابلني. أبويا سألني إذا كنت حابة أشوفها، وأكد لي إن القرار قراري، وإن مفيش حد هيجبرني. بعد تفكير، وافقت أقابلها في وجوده. جت نهى البيت، وكانت ملامحها مختلفة عن آخر مرة شوفتها فيها. مكنتش بتتكلم بثقة، ولا بتحاول تبرر كل حاجة. قعدت قدامي وقالت: «يا ملك، أنا عارفة إن كلمة آسفة مش كفاية، بس أنا عايزة أقولك إني غلطت في حقك.» فضلت ساكتة. كملت: «أنا كنت أنانية، وفكرت في نفسي وفي إني أقضي وقت مع محمود من غير ما أفكر إنتِ هتحسي بإيه. والأسوأ إني كذبت عليه وعليكي وعلى أمي، وخلّيتك تخافي تتكلمي.» رفعت عيني لها. «إنتِ ليه قولتي لبابا إني أنا اللي طلبت أروح عند تيتة؟» نهى اتنهدت وقالت: «لأني كنت عايزة أخلي القرار يبان إنه قرارك، عشان محمود ميشكش في نيتي. وكنت عارفة إن لو قلتله إني مش عايزاكي تيجي معانا، مش هيوافق أبدًا.» سألتها: «وطب ليه مقولتيليش إن في حد هيقعد معايا؟» ردت بصراحة مؤلمة: «لأني مكنتش ناوية أجيب حد. كنت فاكرة إنك هتقدري تدبري أمورك لوحدك.» بصيت لها وقلت: «بس أنا كنت طفلة يا نهى.» دموعها نزلت، وقالت: «عارفة. ودي أكبر غلطة عملتها.» سكتنا شوية، وبعدها سألتها السؤال اللي كان جوايا من أول يوم: «إنتِ كنتِ بتكرهيني؟» نهى رفعت عيني بسرعة. «لا يا ملك، الموضوع مكنش كره.» «أمال إيه؟» فضلت تفكر قبل ما ترد. «كنت بحس إن محمود بيقضي أغلب وقته واهتمامه معاكي، وكنت عايزة أحس إن لينا حياة خاصة بينا. بدل ما أتكلم معاه وأوصل لحل، اخترت أسهل طريق بالنسبالي، وهو إني أبعدك عن الرحلة من غير ما حد يعرف الحقيقة.» رديت عليها: «بس أنا مش كنت باخد بابا منك. أنا بنته.» نهى غطت وشها بإيديها، وبدأت تعيط. «عندك حق.» مكنتش حاسة بالشماتة فيها، ولا كنت مبسوطة إنها بتعيط. كنت بس حزينة، لأنني كنت فاكرة إنها بتحبني زي ما كانت بتقول. أبويا تدخل وقال بهدوء: «الاعتذار بداية، لكنه مش نهاية الموضوع. الثقة محتاجة وقت، وأهم حاجة إن اللي حصل ميتكررش.» نهى هزت راسها وقالت: «أنا فاهمة.» وبعد المقابلة، سابتنا ومشيت. أنا مسامحتهاش في اللحظة دي، لكني كمان مقولتلهاش إني عمري ما هسامحها. كنت محتاجة وقت أفهم مشاعري، وأعرف إذا كانت فعلًا ندمت على اللي عملته، ولا بس ندمت لأنها اتكشفت. وأبويا احترم ده، ومضغطش عليّا. مرت الشهور، وأبويا بدأ يرتب حياته من جديد. أما علاقته بنهى، ففضلت فترة تحت التقييم. حاولوا يتكلموا بصراحة، لكن الثقة اللي اتكسرت مكنتش سهلة ترجع. وفي النهاية، قرروا ينفصلوا بعد ما أدركوا إن المشاكل بينهم أعمق من مجرد رحلة مصيف. أبويا مخلانيش أدخل في تفاصيل خلافاتهم، ولا طلب مني أختار بينه وبينها. قال لي مرة: «إنتِ مش مطالبة تحكمي على جوازنا، يا ملك. دي مسؤوليتنا إحنا الكبار.» وبالفعل، بدأنا حياة جديدة، أنا وهو وجدتي اللي بقت تزورنا باستمرار. وفي الصيف اللي بعده، أبويا سألني: «إيه رأيك يا ملك؟ نروح المصيف السنة دي؟» ابتسمت وقلت: «بس بشرط.» ضحك وسألني: «شرط إيه يا ست الكل؟» قلت له: «محدش يكذب على حد، ومحدش يقرر حاجة تخصني من غير ما يسألني.» ضحك أبويا، وبعدها حضني وقال: «اتفقنا يا حبيبتي.» وسافرنا فعلًا، وقضينا أسبوع جميل في الساحل، لكن المرة دي كنت مطمنة، لأني عارفة إن أبويا مش هيصدق أي كلام عني من غير ما يسمعه مني أنا. وفي آخر يوم في المصيف، كنا قاعدين على البحر وقت الغروب، فبصيت له وسألته: «بابا، إنت ندمان إنك رجعت من المصيف عشاني؟» بص لي باستغراب شديد. «إيه السؤال ده يا ملك؟» قلت له: «أصل إنت كنت مستني الرحلة دي من شهور، وأنا عارفة إنك تعبت عشان تحجزها.» أبويا ابتسم، ومسح على شعري وقال: «بصي يا ملك، الشاليه ممكن أرجع له في أي وقت، والبحر موجود كل سنة، لكن إنتِ بنتي، ومفيش رحلة في الدنيا تستاهل إني أسيبك خايفة لوحدك.» حسيت بدموعي بتتجمع في عيني، لكن المرة دي كانت دموع فرحة. حضنته وقلت: «بحبك يا بابا.» رد عليّا: «وأنا بحبك أكتر مما تتخيلي.» فضلنا قاعدين جنب بعض، بنتفرج على الشمس وهي بتغيب، وأنا لأول مرة من فترة طويلة حسيت إني مش مضطرة أخبي خوفي أو أتحمل مسؤولية مش مسؤوليتي. ومن يومها فهمت إن الحقيقة ممكن تعمل مشاكل، لكنها مش هي اللي بتخلق الغلط. الغلط بيبدأ لما حد يختار الكذب، ويحاول يخلي غيره يدفع تمن قراراته. أما أبويا، فتعلم إن الثقة مش معناها إننا نصدق كل كلمة من غير ما نتأكد، وإن حماية أولادنا مش بس إننا نوفر لهم الأكل والبيت، لكن كمان إننا نسمعهم، ونصدق مشاعرهم، ونخليهم عارفين إنهم يقدروا يقولوا الحقيقة من غير خوف. والسؤال اللي فضلت أفكر فيه بعد كل اللي حصل: لو نهى كانت اتكلمت بصراحة من البداية، هل كان ممكن تحافظ على جوازها؟ ولا المشكلة الحقيقية كانت إنها شافت بنت عندها 12 سنة منافسة ليها على حب جوزها، بدل ما تشوفها طفلة محتاجة أمان واحتواء؟ تمت... روايات_مشيره_محمد