عم إبراهيم
روايات_مشيره_محمد
الجزء الثاني والأخير
وقف إبراهيم مكان عند باب الزريبة، النور اللي جاي من المزرعة كان ضرب في وشّه، وعينيه مثبتة على البيت الكبير. مفيش حركة، ولا الهوا بيهز ستارة، ولا حتى كلب حراسة بيعوّي. كل حاجة كانت ساكتة برود يقطّع النفس.
التفت لـ “هناء” اللي كانت نايمة على القش، وشها أصفر زي المون، وعينيها بتلمع بسخونية تاكل الحجر. كانت ماسكة في جلابيتها الممزوقة بكل ما فيها من حيلة، بترعش من الخوف والوجع.
قرّب منها بشويش، وركع على ركبته تاني بالراحة عشان متتخضش:
- ”بصي لي يا هناء.. أنا هشيلك دلوقتي. هتحسي بوجع، مش هكدب عليكي، بس مفيش وقت. لازم نطلع من هنا قبل ما حد يرجع.”
هناء غمضت عينيها ونزلت دمعة حرقت خدها الترابي:
- ”يا عم إبراهيم.. لو شافوك بيا، منصور مش هيرحمك. منصور ده مش بني آدم، ده شيطان ماشى على الأرض.”
إبراهيم ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها هيبة وستر من بتاع زمان:
- ”الشيطان بيترعب لما بيلاقي راجل بجد يا بنتي. سمّي الله كده وماسكة فيا كويس.”
وطى إبراهيم وسند ظهرها بإيد، وتحت ركبتها بالإيد التانية. أول ما رفعها من على الأرض، طلعت منها صرخة مكتومة مكتومة، كأن روحها بتتسحب، ومسكت في رقبتها لدرجة إن دوافرها غرزت في قماشة قميصه. السخونية اللي كانت طالعة من جسمها كانت كفيلة تتعب جمل.
خرج بيها من الزريبة وعينيه بتلف في ساحة المزرعة. كان مركب العربية النقل القديمة بتاعته تحت شجرة جميز كبيرة على طرف الطريق الرملي. كل خطوة كان بيمشيها كانت الأرض بتتحرك تحت رجليه، مش من ثقل هناء، لكن من الثقل اللي حاسس بيه في صدره.
فتح باب العربية بشويش، وحطها على الكنبة القديمة، وسند راسها على طرحة كانت مركونة ورا.
- ”اثبتي هنا، مش هغيب عليكي ثانية.”
جري على المزرعة، جاب كوز مية من الزير اللي جنب السور، وقطع حتة قماش نظيفة كانت مربوطة في عصاية الساقية. رجع للعربية، مسح وشها المبلول بالعرق، وبل شفايفها الشايحة.
هناء بصت له بامتنان مكسور، وصوتها طلع بالعافية:
- ”أنت ليه بتعمل معايا كده؟ أنت حتى ماتعرفنيش!”
إبراهيم دور موتور العربية، والموتور زأر في هدوء الغروب:
- ”الشهامة مش محتاجة معرفة يا بنتي. ربنا حطني في طريقك في الوقت ده عشان تبقي أمانة في رقبتي.. والأمانة عند الرجال بتتسدد بالروح.”
طلعت العربية في الطريق الزراعي، الغبار بيعفر وراهم، والنور بدأ ينسحب من السما ويتغير للون أحمر كئيب. إبراهيم كان بيبص في المراية كل شوية، خايف يلمح عربية “منصور” وراهم.