رجعت البلد
فضلت أبوس إيديها وراسها وأنا بعيط.
— أنا جيت يا أمي… سامحيني يا حبيبتي. سامحيني إني اتأخرت عليكي.
هزت راسها وهي بتحاول تطمنّي رغم حالتها.
— إنت مالكش ذنب يا ابني… إنت كنت فاكرني بخير.
لكن أنا ما قدرتش أستحمل.
— مين عمل فيكي كده يا أمي؟ مين حرمك من الأكل والمية؟ مين قفلك الباب بالسلسلة؟
أمي بصت ناحية الباب المفتوح، وبعدها رجعت بصت لي، وكأنها خايفة حد يسمعها.
— اقفل الباب يا يوسف… واقفل كويس.
استغربت طلبها، لكن قمت وقفلت الباب من غير ما أحط السلسلة.
رجعت قعدت جنبها، ومسكت إيديها.
— مفيش حد هنا غيري أنا وإنتِ يا أمي. احكي لي كل حاجة.
أمي بلعت ريقها بصعوبة، وبعد لحظات قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة في حياتي.
— سعاد يا ابني… سعاد هي اللي عملت فيا كده.
حسيت إني مش فاهم.
— سعاد؟ بنت خالتي؟ إنتِ متأكدة يا أمي؟
بصت لي بعتاب موجع.
— هي نفسها يا حبيبي. البنت اللي ربيتها في حضني، واللي كنت بعتبرها بنتي، هي اللي قفلت عليا باب بيتي.
قمت واقف من مكاني، مش قادر أصدق.
سعاد اللي كانت بتضحك في وشي امبارح، واللي عملت لي الأكل واستقبلتني كأني واحد من ولادها، هي نفسها اللي كانت سايبة أمي تموت من الجوع جوه بيتها؟
أمي شدت إيدي وقالت:
— اقعد يا يوسف. اسمعني للآخر، وبعدها اعمل اللي إنت شايفه صح.
رجعت قعدت، وبدأت أسمع الحكاية اللي كنت أتمنى طول عمري إنها تكون كابوس وأصحى منه.
### الفلوس اللي كانت بتتبعت لأمي راحت فين؟
أمي أخدت نفس طويل، وبدأت تحكي وهي بتبص للأرض.
— فاكر يا يوسف لما سعاد كلمتك وقالت لك إن مشواري للبنك بقى صعب، وإنك تبعت الفلوس على حسابها؟
هزيت راسي.
— أيوه يا أمي. قالت لي إنها هتوصلهالك بإيديها، وإنها مش هتسيبك تحتاجي لحاجة.
ضحكت أمي ضحكة صغيرة، لكن كانت ضحكة مليانة وجع.
— في الأول كانت بتجيب لي الفلوس فعلًا. وبعدها بشهرين، بدأت تقول لي إنك بعت مبلغ أقل، وإن المحل بتاعك ظروفه مش أحسن حاجة، وإنك مديون ومش عايز تقلقني.
اتنفضت من مكاني.
— إيه الكلام ده؟! أنا عمري ما قلت لها كده! أنا كنت ببعت نفس المبلغ كل شهر، وأوقات كنت بزوده كمان!
أمي هزت راسها بحزن.
— عارفة يا حبيبي. أنا كنت عارفة إنك مش هتسيبني، بس هي كانت كل شوية تطلع لي حكاية جديدة. مرة تقول إنك خسرت في التجارة، ومرة تقول إنك تعبان ومش قادر تبعت، ومرة تقول إنك طلبت منها ما تدينيش فلوس كتير عشان ما أعودش نفسي على الصرف.
