رجعت البلد
وفي يوم جمعة، بعد شهور من رجوعي، صحيت على صوت أمي وهي بتنادي عليا من الجنينة.
خرجت لها، لقيتها واقفة جنب شجرة الجوافة، ماسكة طبق فيه ثمرتين صغيرتين.
قالت لي بفرحة:
— بص يا يوسف! أول جوافة طلعت السنة دي.
ضحكت وقلت لها:
— دي لازم تتاكل سوا يا أمي. واحدة ليكي وواحدة ليا.
قالت وهي بتضحك:
— لأ، أنا هاخد واحدة وإنت خد التانية. بس بشرط.
— شرط إيه؟
— ما تبعدش عني لدرجة إني أضطر أستنى صوتك بالساعات.
حضنتها وقلت:
— أوعدك يا أمي، مش هخلي الشغل ولا الفلوس يخلوني أنسى إن ليا أم مستنياني.
وبعدها دخلنا البيت، وقعدنا نفطر سوا زي زمان.
البيت اللي كان ضلمة بقى مليان نور، والباب اللي اتقفل بالسلسلة بقى مفتوح، وقشطة رجع ينام قدام عتبة البيت وهو مطمئن.
أما أنا، فعمري ما نسيت اليوم اللي رجعت فيه البلد وافتكرت إني هلاقي أمي بخير لمجرد إني كنت ببعت لها فلوس كل شهر.
اتعلمت إن الفلوس ممكن تشتري الأكل والدواء والراحة، لكنها ما تشتريش الحنان، وما تضمنش الأمان، وما تعوضش غياب الإنسان اللي بتحبه.
واتعلمت كمان إن أقرب الناس لينا مش دايمًا بيكونوا أأمن الناس علينا، وإن الثقة من غير متابعة ممكن تتحول لباب يدخل منه الأذى.
لكن أهم درس اتعلمته كان من أمي نفسها.
رغم كل اللي حصل لها، ما فقدتش قدرتها على الحب، ولا سمحت للخوف إنه ياخد منها روحها.
كانت بتقول لي دايمًا:
— يا يوسف، الإنسان ممكن يخسر فلوسه وبيته وأرضه، لكن طول ما هو لسه قادر يقوم ويحافظ على كرامته، يقدر يبدأ من جديد.
وفي كل مرة كنت أشوفها قاعدة في الجنينة، بتسقي الورد بإيديها، كنت أفتكر السلسلة الحديد اللي كانت على الباب، وأحمد ربنا إني رجعت في الوقت المناسب.
لأن أمي ما كانتش محتاجة مني تحويل بنكي جديد.
كانت محتاجة ابنها يرجع، ويبص في عينيها، ويسألها بصدق:
«إنتِ بخير يا أمي؟ محتاجة مني إيه؟»
والسؤال ده، اللي كنت فاكر إن الفلوس بتجاوب عليه، عرفت أخيرًا إن مفيش حد يقدر يجاوب عليه غير وجودك جنب اللي بتحبه.
تمت النهاية.