رجعت البلد

— تعرف يا يوسف؟ قشطة كان كل يوم يقعد جنب الباب. حتى لما ما كانش فيه أكل، كان يفضل مستني. كنت أحس إنه مستنيك إنت.

نزلت دمعة من عيني.

يمكن قشطة ما كانش فاهم كل اللي بيحصل، لكنه كان عارف إن الست اللي ربته محتاجة حد، وإن الباب اللي اتقفل عليها مش المفروض يفضل مقفول.

في الأيام اللي بعدها، بدأت أمي تتحسن. رجعت تاكل كويس، وتتكلم، وتضحك، وبدأ لون الحياة يرجع لوشها.

أما أنا، فقررت أأجل رجوعي للقاهرة شوية، ورتبت أموري بحيث أقدر أتابع شغلي من البلد جزء من الوقت.

كنت كل صباح أصحى بدري، أعمل لأمي الشاي، وأقعد معاها في الجنينة اللي بدأت أزرعها من جديد.

وبعد أسابيع، طلعت أول ورقة خضرا من شجرة الجوافة القديمة.

أمي شافتها، وابتسمت.

— شايف يا يوسف؟ الشجر لما يلاقي اللي يهتم بيه، بيرجع يعيش من جديد.

بصيت لها، وفهمت إن كلامها ما كانش عن الشجر بس.

### النهاية اللي ما كانش حد يتوقعها

مرت شهور، والإجراءات القانونية استمرت. تم التحقيق في الواقعة، واتراجعَت المستندات والتحويلات والتسجيلات، وبقى كل طرف مسؤول عن تقديم أدلته أمام الجهات المختصة.

سعاد حاولت تتواصل مع أمي أكتر من مرة، لكن أمي رفضت تقابلها في البداية.

وبعد فترة، سألتني:

— هي سعاد أخبارها إيه؟

قلت لها:

— مش عارف يا أمي، ومش عايز أظلمها، لكن مش هسمح لأي حد يأذيكي تاني.

سكتت شوية، وبعدها قالت:

— أنا زعلانة منها، بس مش بتمنى لها الشر. أنا ربيتها على إيدي، وكنت فاكرة إن الحب اللي اديتهولها هيخلّيها تحبني زي ما بحبها.

قلت لها:

— إنتِ عملتي اللي عليكي يا أمي. مش كل الناس بتعرف تحافظ على النعمة اللي في إيديها.

هزت راسها وقالت:

— يمكن. بس أنا اتعلمت حاجة يا يوسف. الطيبة مش معناها إن الواحد يسيب حقه، والتسامح مش معناه إنه يفتح الباب لنفس الأذى مرة تانية.

الكلام ده فضل في دماغي طويلًا.

بعد فترة، بعتت سعاد رسالة طويلة لأمي، بتطلب منها تسامحها وتقول إنها مستعدة تعوضها عن الفلوس اللي أخدتها.

أمي قرأت الرسالة، وبعدها حطت الموبايل على الترابيزة.

سألتها:

— هتردي عليها؟

قالت بهدوء:

— مش دلوقتي. أنا محتاجة أتعافى من اللي حصل، ومحتاجة أشوف إن الندم حقيقي، مش مجرد خوف من العواقب.

ما ضغطتش عليها.

كنت عارف إن القرار قرارها، وإن حقها في الأمان أهم من أي صلح شكلي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *