رجعت البلد

حسيت إن صدري بيتقفل.

ست سنين وأنا بعيد عن أمي، وكل يوم كنت بشتغل ساعات طويلة عشان أقدر أوفر لها حياة كريمة، وفي الآخر الفلوس اللي كنت بحرم نفسي من حاجات كتير عشان أبعتها، كانت بتتحول لسلاح ضدها.

سألتها وأنا بحاول أسيطر على غضبي:

— طيب وإنتِ ليه ما كلمتينيش؟ ليه ما قلتيليش إنها مش بتديكي فلوسك؟

بصت لي أمي بنظرة وجعتني أكتر من أي كلام.

— حاولت يا ابني.

— حاولتي إزاي؟

— في مرة طلبت منها تليفونها عشان أكلمك. قالت لي إنك مشغول، وبعدها بأيام جابت لي موبايل قديم وقالت لي إن موبايلك اتكسر وإنك غيرت رقمك. ولما طلبت منها الرقم الجديد، قالت لي إنها هتجيبه لي لما تشوفك.

حطيت إيدي على راسي.

— يعني كانت بتمنعك من الاتصال بيا؟

— أيوه. وفي مرة قدرت أخد تليفونها وهي مش واخدة بالها، واتصلت بيك. بس هي دخلت عليا فجأة وخطفت الموبايل من إيدي. يومها اتخانقت معايا وقالت لي إنك مش عايز تسمع صوتي، وإنك زهقت من مصاريفي وإنك طلبت منها تتصرف معايا.

حسيت إن قلبي اتعصر.

أمي كملت وهي بتمسح دموعها بطرف البطانية.

— أنا ما صدقتهاش في الأول. قلت لها يوسف عمره ما يعمل كده. بس الأيام عدت، وإنت ما اتصلتش، والفلوس ما وصلتش لإيدي، وبدأت أشك إنك فعلًا تعبت مني. كنت كل ليلة أقعد جنب الباب وأستنى يمكن تيجي، يمكن تكون رجعت من السفر، يمكن تكون عايز تشوفني.

نزلت دموعي من غير ما أحس.

— يا أمي، والله العظيم أنا ما نسيتك يوم واحد. أنا كنت بكلمك، بس هي اللي كانت بترد عليا وتقول لي إنك كويسة.

رفعت أمي عينيها بسرعة.

— كانت بترد عليك هي؟

— أيوه. كنت أسمع صوتها، وكانت تقول لي إنك نايمة أو تعبانة ومش قادرة تتكلم. وفي آخر شهرين بقت تبعت لي رسائل من رقمك، وتقول لي إنك بتسلمي عليا.

أمي غطت وشها بإيديها.

— يا حبيبتي يا سعاد… إزاي قدرت تعملي فينا كده؟

وبعد لحظة صمت، قالت:

— الحكاية ما وقفتش عند الفلوس يا يوسف.

بصيت لها بقلق.

— أمال إيه اللي حصل تاني؟

أمي أشارت ناحية الدولاب القديم اللي في آخر الأوضة.

— افتح الدرج اللي تحت، هتلاقي ظرف بني. هاتهولي.

قمت وفتحته. لقيت جواه شوية ورق متني، وصورة قديمة لأمي مع أبويا الله يرحمه، وورقة عليها إمضتها.

رجعت لها بالظرف.

أول ما شافت الورقة، بدأت صوابعها ترتعش.

— دي ورقة سعاد جابتها لي من شهرين، وقالت لي إنها ورقة عادية عشان تجدد بعض الأوراق الخاصة بالأرض. قالت لي أمضي هنا وهنا، وإنها هتخلص كل حاجة بنفسها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *