السر اللى ورا عمتها
روايات_مشيره_محمد
أما أنا، فرجعت لشغلي، لكن المرة دي كنت ببص لكل طفل بييجي المستشفى بشكل مختلف.
كنت دايمًا فاكرة إن دور الممرضة هو إنها تعالج المريض وتساعده يعدي فترة التعب.
لكن ليلى علمتني إن ساعات، أهم حاجة ممكن تقدمها لحد مش دواء ولا حقنة ولا حتى كلمة تطمين.
ساعات، أهم حاجة إنك تصدق إن فيه مشكلة، وتاخد كلام الشخص اللي قدامك بجدية، حتى لو كان طفل صغير مش بيعرف يشرح كل اللي جواه.
بعد حوالي شهر، وصلني جواب صغير من ليلى عن طريق والدها.
كان مكتوب بخط إيدها المتعرج:
«طنط مريم،
أنا بقيت أحسن، وباكل كويس، وبابا بقى بيحاول يعمللي الفطار، بس البيض بيتحرق كل يوم تقريبًا.
الكابتن فلفل بيقولك شكرًا عشان خليتيه يفضل جنبي في المستشفى.
أنا لسه بخاف ساعات، بس لما بخاف بكلم بابا، وبقيت عارفة إن مش غلط أطلب المساعدة.
لما أكبر هبقى ممرضة، وهساعد الأطفال اللي بيخافوا.
بحبك.
ليلى».
فضلت ماسكة الجواب فترة طويلة.
افتكرت أول مرة شفتها فيها، وهي قاعدة جنب مكتب الاستقبال، حاضنة أرنبها القديم، وبتسأل إذا كان ممكن حد يتصل بباباها.
افتكرت إنها كانت بتعتذر عن تعبها، وبتدافع عن الناس اللي سابوها، وبتخاف على والدها أكتر ما بتخاف على نفسها.
وفهمت إن اللي حصل معاها مكنش مجرد موقف مؤلم وانتهى.
كان درس عن المسؤولية، وعن الثقة، وعن إن الأطفال مش المفروض يدفعوا تمن مشاكل الكبار.
**لأن الطفل مش محتاج حد يقوله إنه قوي طول الوقت، ولا حد يطلب منه يستحمل فوق طاقته. الطفل محتاج حد يسمعه، ويصدقه، ويحميه لما يكون عاجز عن حماية نفسه.**
وليلى، رغم إنها اضطرت تواجه أيام صعبة لوحدها، قدرت توصل للمكان اللي فيه حد يسمعها.
أما محمود، فاتعلم إن الثقة في الناس مهمة، لكن الاطمئنان على أولادنا لازم يكون مبني على تواصل حقيقي، مش مجرد رسائل بتقول إن كل حاجة تمام.
ونادية؟ اعتذارها مكنش كفاية يمسح اللي حصل، لكنها بقت مطالبة تثبت بتصرفاتها، مش بكلامها، إنها فهمت حجم المسؤولية اللي فرطت فيها.
وبالنسبة لي، فضلت فاكرة جملة ليلى وهي على سرير المستشفى:
«أنا كنت خايفة يا طنط مريم، بس مش عشان نفسي، أنا كنت خايفة بابا يزعل لما يعرف إني تعبت».