رجعت البلد

حكايات محمد نور

— يوسف… يا ابني… أوعى تمشي وتسيبني!

صوت أمي كان أضعف من إنه يستحمل ثانية واحدة كمان، لكن كل كلمة قالتها كانت بتخبط في قلبي كأن حد بيضربني بسكينة.

حطيت إيدي على الباب وفضلت أخبط بكل قوتي.

— أنا هنا يا أمي! والله ما همشي من هنا غير لما أخرجك بإيدي! إنتِ بس استحملي شوية، حاضر؟ أنا معاكي يا حبيبتي.

سمعتها بتعيط من الناحية التانية، عياط مكتوم كأنها حتى مش قادرة ترفع صوتها.

— جعانة يا يوسف… وعطشانة يا ابني… بقالي يومين مستنية حد يفتح لي الباب.

يومين!

الكلمة دي لوحدها خلت الدم يغلي في عروقي.

— يومين إيه يا أمي؟ إنتِ بقالك قد إيه جوه البيت ده؟ ومين اللي قفلك الباب بالسلسلة؟

سكتت شوية، وبعدها قالت بصوت مرتعش:

— ما تسألنيش دلوقتي يا حبيبي… افتح لي الباب الأول… أنا تعبانة أوي.

ما فكرتش ثانية واحدة. جريت ناحية الشباك، لكن لقيته متغطي بألواح خشب متثبتة بمسامير كبيرة. حاولت أخلع لوح بإيدي، فاتجرحت صوابعي، لكن ما حسيتش بالألم.

رجعت للباب وفضلت أشد السلسلة وأحاول أكسر القفل، لكن كان متين بشكل مستحيل.

بصيت حواليا أدور على أي حاجة أقدر أستخدمها، فوقعت عيني على فأس قديم مرمي جنب سور الجنينة. جريّت ناحيته، مسكته ورجعت أضرب بيه في القفل.

كل ضربة كانت بتطلع صوت يخلي قشطة ينبح وينط حواليا، كأنه بيشجعني أخلص بسرعة.

وبعد كام ضربة، القفل اتشرخ، لكن ما اتفتحش.

رفعت الفأس وضربت تاني بكل قوتي.

المرة دي القفل اتكسر ووقع على الأرض.

شلت السلسلة وفتحت الباب، لكن أول ما دخلت، رجلي اتثبتت مكاني.

البيت اللي سبت أمي فيه من سنين، واللي كان دايمًا ريحته ريحة الخبز الطازة والنعناع والريحان، بقى مكان ضلمة وريحتُه خانقة. الشبابيك مقفولة، والستائر متعلقة بطريقة تمنع دخول الشمس، والأرض مليانة تراب.

وعلى الأرض، جنب الكنبة القديمة، كانت أمي قاعدة ملفوفة في بطانية خفيفة، لابسة جلابية باهتة، وشعرها الأبيض متشابك، ووشها شاحب لدرجة إني للحظة ما عرفتهاش.

جريت عليها وركعت قدامها.

— أمي!

رفعت عينيها ليا، ولما شافتني، مدت إيديها المرتعشة ومسكت وشي.

— يوسف… إنت جيت يا ابني؟ إنت جيت بجد؟

حضنتها، وحسيت بعظام ضهرها تحت إيدي. كانت خفيفة بشكل يخوف، كأن السنين اللي عدت عليها في الشهور الأخيرة سرقت منها صحتها وقوتها.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *